أما الوجه الأول، أي التمتع بناء على ملك اليمين، فهو مباح كذلك لأن القرآن قد صرح بإباحته وما وضع عليه قيدًا ولا شرطًا. وأما الكراهة التي تبدو فيه في ظاهر الأمر، فما هي إلا كراهة وهمية. إن الطبائع لما تعودت طريق النكاح العام المعروف، بدأ الناس يظنون أنه لا يحل بين الرجل والمرأة إلا العلاقة التي يبرمها القاضي بينهما بالشاهدين والإيجاب والقبول ويخطب فيها بخطبة النكاح، وأن ليست كل صورة أخرى غير هذه لتكريس العلاقة بينهما، إلا اتباع للهوى. ولكن ليس الإسلام بدين تقليدي ( Conventional) وإنما هو دين عقلي ( Rational) فلا ينظر إلى الصورة وإنما ينظر إلى الحقيقة. إن المرأة إذا كانت تحل للرجل بالنكاح، فإنها تحل لأن قانون الله هو الذي قد أحلها، فأي كراهة فيها إن كان قانون الله قد أحلها بناء على ملك اليمين؟ إن المقصود بالنكاح هو وضع الحد لغريزة الإنسان الشهوانية وضبطها بضابطة معلومة وإقامة العلاقة بين الرجل والمرأة على صورة علاقة مدنية معروفة، لذا فقد جعل الإعلان من شروط هذه العلاقة حتى يعرف الناس في المجتمع أن المرأة الفلانية قد اختصت بالرجل الفلاني وأن الذرية التي تنجبها بعد الآن تكون لذلك الرجل ولا تكون لها علاقة بأي رجل غيره. وكل هذه الأغراض تتحقق كذلك بملك اليمين. يعرف الناس في المجتمع أن الأمة الفلانية مملوكة للرجل الفلاني فلا يحل لرجل غيره أن يتعلق بها بعلاقة زوجية ما لم يزوجها السيد منه بمرضاته. فانفراد المرأة برجل واحد يحصل في هذه الصورة بنفس التأكيد والشهرة التي يحصل بها في صورة النكاح. والأمة إذا تمتع بها سيدها ثم أنجبت له ولدًا، أصبحت فردًا من أفراد أسرته وسميت"بأم الولد"، وكانت ذريتها ذرية شرعية تنال نصيبها الشرعي من ميراث والدها. أفليست هذه إذن علاقة زوجية معروفة مثل النكاح؟
نعم، في هذا الطريق كراهة، فإن الأمة التي يتمتع بها بدون نكاح أي على مجرد ملك اليمين، لا تبقى إلا أمة ليس لها مثل ما للمحصنات من درجة ولا لذريتها مثل ما لذريتهن. لذا فإن الطريق الذي فضله الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن يعتقها سيدها أولًا لتنال مرتبة المحصنات ثم يتزوجها على طريق معروف حتى ينشأ فيها من الشعور بعزة النفس مثل شعور المحصنات وتدخل في مجتمعه على قدم المساواة ويزول عنها العار بالمملوكية وعن ذريتها العار بأنها ذرية الأمة.
والذي قلناه للآن فيه جواب على كل أسئلتك إلا سؤالين: أولهما أن الرجل إذا كان من حقه أن يتمتع بناء على ملك اليمين، فما للمرأة قد حرمت من هذا الحق؟ وثانيهما أن الأمم المحاربة للمسلمين إذا عاملت بذلك نساءهم، فكيف من حقنا أن نحتج عليه؟ ففي ما يلي نرد على هذين السؤالين بالترتيب.
أما السؤال الأول فالجواب عليه أن القرآن إنما جعل التمتع بناء على ملك اليمين من حق الرجال وما جعله من حق النساء. فالخطاب في آية"وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ"وغيرها من الآيات للرجال وحدهم.