الصفحة 50 من 155

هذا هو المقصود الذي لأجل تحقيقه أباح الإسلام التمتع بالسراري. ارجعوا بنظركم قليلًا إلى ما قبل بضعة قرون وافرضوا أن الحرب قائمة بين المسلمين وأمة أجنبية، ويصيب المسلمون فيها آلافًا من نساء هذه الأمة، وفيهن عدد كبير للنساء الجميلات والشابات. أما العدو فلا يستنقذهن بدفع الفدية ولا بتبادلهن بما قد أصاب من نساء المسلمين. وأما المسلمون فلا يستطيعون أن يسرحوهن منا عليهن، لأنهم لا يرجون بذلك قطعًا أن يسرح العدو نساءهم، فهم لأجل كل ذلك مضطرون إلى الإمساك بهن. فقولوا لي الآن ماذا ينبغي أن يصنع بهذا العدد العظيم من نساء العدو الداخلات في دار الإسلام؟ أما حبسهن بصفة دائمة فهو ظلم، وأما تخلية سبيلهن في دار الإسلام فكأنه نشر لجراثيم الخلاعة والمجون والفسق والفجور في الدولة، لأن الأضرار الخلقية لا بد أن تنشأ بهن حيثما وضعن في الدولة. فيفسد المجتمع من جانب وتوصم جباههن بالعار والذل إلى الأبد من جانب آخر. فهي مشكلة شائكة، يعالجها الإسلام بتوزيعهن بين أفراد الأمة ثم تلقينهم بكل تأكيد ومبالغة ألا يجعلوا منهن بغايا يستدرون الحرام أو يكسبون المال بطريقهن، وإنما عليهم أن يتمتعوا بهن إلى حد أنفسهم فحسب، أو أن يزوجوهن من غيرهم حتى لا يقترفن الفاحشة ويتخذ الأخدان في المجتمع [1] . وقد ورد التصريح بمختلف مواد هذا القانون في مواضع مختلفة من القرآن. قال الله تعالى:"وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ -وهن الإماء والسراري- عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" [2] .

هذه هي أول مادة من مواد هذا القانون أغلقت باب مصرف شنيع للإماء بتاتًا، إلا أن هذا الحكم للإماء اللاتي يردن التحصن لأنفسهن، وأما المائلات منهن إلى الفجور، فقيل فيهن:"فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ -وهن الحرائر- مِنَ الْعَذَابِ" [3] .

فهكذا سد على الإماء طريق البغاء والفجور رغبة أو كراهة منهن بكل معنى الكلمة، إلا أن الإماء لهن كذلك ما للحرائر من مطالب النفس وغرائز الطبيعة. ومن اللازم كذلك قضاء مطالبهن، ولولا ذلك لكان ظلمًا وتعسفًا بحقهن في جانب، وفي الجانب الأخر لا بد أن تنفتح بذلك أبواب المفاسد الخلقية في المجتمع، فقد اختير طريقان لتحقيق مآربهن الفطرية بطريقة شريفة:

1 -أن يزوجهن سادتهن. وفي ذلك قيل:"وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ" [4] .

(1) مما يجب أن يلاحظ بصفة خاصة في هذا المقام أن امرأة من سبايا الحرب لا تدخل في ملكية أحد من المسلمين إلا بأن تسلمها الحكومة إليه وفقًا لما في ذلك من النظام والقاعدة، ولا يجوز أن يتمتع بوطيها بعد ذلك إلا هو وحده، ومن الزنا وطى امرأة من السبايا قبل توزيع الحكومة بصفة رسمية. ومن الزنا كذلك أن يطأها أحد غير سيدها بعد توزيع الحكومة، مع العلم بأن الزنا جريمة قانونية في الإسلام.

(2) لقد كان كثير من الرؤساء والوجهاء من أهل الجاهلية يجلسون الشابات من إمائهم في الفرقات وينصبون على أبوابهن رايات تكون علمًا لمن أراد أن يقضي منهن حاجته. وهذا عبد الله بن أبي رأس النفاق الذي كان أهل المدينة قرروا تتويجه قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها كانت له ست إماء شابات جميلات يكرههن على البغاء طلبًا لكسبهن ورغبة في أولادهن ليكثر منهم خدمه وحشمه القائمين بأركان رياسته في ما يزعم، ويقدمهن كذلك لمن ينزل عليه من الضيوف تكريمًا لهم، فلتحريم ذلك أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم الآية المذكورة: النور: 33.

(3) النساء: 25.

(4) النور: 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت