الصفحة 49 من 155

إن الناس في هذا الزمان لا يواجهون الصعوبة في إدراك قوانين الإسلام بشأن السبايا (أي أسرى الحرب رجالًا ونساء) إلا لأن الظروف التي وضع فيها الإسلام هذه القوانين ما بقيت قائمة في هذا الزمان. ولكن استعباد أسرى الحرب وبيعهم وشرائهم كان وما زال رائجًا في الدنيا منذ قديم الزمان إلى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، وقلما كان يحدث في ذلك الزمان أن تبادلت دولتان متحاربتان أسرى الحرب بينهما أو تستخلصاهم بدفع الفدية، وإنما كانت القاعدة المتبعة في معظم الأحيان أن يظل أسرى الحرب في حوزة الدولة التي يأسرهم جنودها، فكان من نتيجة ذلك أن القرى والمدن بكل من فيها تخرج هكذا من حوزة دولة وتدخل في حوزة دولة أخرى، ولم يكن بإمكان دولة ما أن تحبس هؤلاء العدد الهائل من الأسرى وتحمل على عاتقها وزر طعامهم وكسوتهم، لذا فإن الدول إنما كانت تأخذ في حوزتها عددًا محدودًا من الأسرى أي على قدر حاجتها وتوزع الباقين بين أفراد جيشها فكانوا يعيشون عندهم عبيدًا وإماء.

تلك هي الظروف التي كان الإسلام في مواجهتها في ذلك الزمان، فهو في تلك الظروف، عرض على الدنيا مبدأ تسريح أسرى الحرب: إما فداء وإما مبادلة وإما منًا عليهم، ولكن لما لم يكن هذا التوجيه الإصلاحي ليأخذ طريقه إلى التطبيق بمجرد عمل المسلمين به، وكان من اللازم لتطبيقه أن تقبل به -كذلك- الأمم المتحاربة مع المسلمين. وهي ما كانت مستعدة لقبوله في تلك الأيام، بل لم تقبله إلى اثني عشر قرنًا فيما بعد، أباح الإسلام للمسلمين -كآخر حيلة- أن يسترقوا من عندهم من أسرى العدو كما كانت الأمم الأخرى تستعبد من عندها من أسراهم.

إلا أن هذه الإباحة كان فيها خوف شديد على نظام المسلمين للحياة الاجتماعية، وذلك من جهة أن تنشأ فيهم طبقة منبوذة ( De Pressed class) كما قد نشأت في كل أمة قهرت أمة أخرى واستولت على بلادها وأفرادها. وبقطع النظر عن كون هذه المعاملة مع أسرى الحرب متنافية مع الإنسانية، كان يخشى أن تنشأ بها كثير من المفاسد الخلقية والاجتماعية كنتيجة محتومة لنشوء طبقة مثل هذه في نظام للحياة الاجتماعية، ولذا فإن الإسلام وإن أباح للمسلمين استرقاق أسرى الحرب بمقتضى ضرورة ملحة، لكنه في الوقت نفسه سنّ من القوانين والنظم ما دعا المسلمين إلى أن يعاملوا الأسرى في حالة الرق والاستعباد بأحسن أنواع الخير وأفضل صور المعروف، وهيأ من الأسباب والدواعي ما يجذبهم شيئًا فشيئًا إلى المجتمع الإسلامي ويجعلهم أفرادًا من أفراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت