أي بعبارة أخرى، أن لا تتجه الأحكام الواردة في القرآن بصيغة الفعل الماضي إلى المستقبل، فقد قيل -مثلًا:"وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ" [1] في حرمة بنت المرأة من زوجها السابق على زوجها الجديد، فكلمة"دخلتم في هذه الآية واردة بصيغة الفعل الماضي، فما حرمت على المسلمين -بموجب قاعدة الكاتب- إلا بنات أولئك النساء اللاتي كانوا قد دخلوا بهن أي تزوجوهن قبل نزول هذه الآية وليست هذه الحرمة بالنسبة للمستقبل".
وقيل كذلك:"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ" [2] فليس الأمر بالخمس في هذه الآية كذلك إلا بالنسبة للماضي ولا يكون الخمس في الغنائم بالنسبة للمستقبل.
وقيل كذلك"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ"فما الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة في هذه الآية كذلك إلا للذين كانوا قد آمنوا إلى ذلك الزمان، وما هو للذين آمنوا من بعد أو يؤمنون إلى يوم القيامة.
وجملة القول أن فضيلة الشيخ قد أثار بذلك نكتة بديعة لم يسبق إليها غيره، وإلا كان المسلمون قد تحرروا من كثير من قيود الأحكام التي قد وردت في القرآن بصيغة الفعل الماضي، والتي لعل الله لم يستعمل فيها صيغة المستقبل لعدم الاحتياط والعياذ بالله، بل كان الكفار والمكذبون لآيات الله تخلصوا بذلك من نار جهنم، لأن صيغة الفعل الماضي هي التي استعملت للكفر والتكذيب في قوله تعالى"وَالَّذِينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ"، فقد نجا من هذا الوعيد كل من كفر وكذب بآيات الله بعد نزول هذه الآية.
الحقيقة أن إثارة مثل هذه النكت الطريفة تكاد تبلغ حد التحريف المعنوي في القرآن، الأمر الذي يهزّ إيمان من يتجاسر عليه.
عمل النبي صلى الله عليه وسلم:
وعلينا أن ننظر الآن: ما هو المفهوم الذي أدركه النبي صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى:"فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء"ومن قوله تعالى:"وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"وكيف عمل به في حياته؟
حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه في بني قريظة أن تقتل رجالهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فنفذ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه.
وأصاب المسلمون في غزوة خيبر جماعة من نساء اليهود فقسمن بينهم وكانت منهن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها.
وفي غزوة حنين أسرت ستة آلاف من الأولاد والنساء. ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فسألوه أن يرد إليهم نساءهم وأبناءهم منّا عليهم، فقال لهم:"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وإذا ما صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم". فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم، فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة، فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم، فلا. وأخيرًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي، فله بكل إنسان ست فرائص من أول سبي أصبه، فردوا إلى هوازن أبناءهم ونساءهم.
(1) النساء: 23.
(2) الأنفال: 41.