الصفحة 45 من 155

إن الآية المذكورة وردت في سورة محمد، وهي سورة نزل بعضها في مكة وبعضها في الأيام الأولى من الهجرة بالمدينة المنورة. ومعنى قوله تعالى فيها:"فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا"إذا واجهتموهم للقتال يوم بدر، كما يقول عبد الله بن عباس في تفسيره. وفي ذلك ما يدل على أن هذه الآية نزلت قبل بدر، ويؤيد ذلك قوله تعالى"مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ"في سورة الأنفال. وقد نزل بشأن الأسرى في بدر، ويشير العتاب الوارد فيه إشارة واضحة إلى أن السبب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان أثخن في الأرض قبل شد الوثاق بمعنى الكلمة، كما أمر به في آية سورة محمد، فثبت من ذلك أن هذه الآية من سورة محمد كانت قد نزلت قبل غزوة بدر.

هذا، وتعال لنرى كيف أبيحت للنبي صلى الله عليه وسلم الإماء من أسرى الحرب. يقول عز من قائل:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ" [1] . فالمراد من كلمة"مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ"في هذه الآية: هو الإماء، وقد وصفن بـ"مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ"أي مما أعطاك الله من الغنائم في الحرب. ولا يخفى على أحد أن الله سبحانه وتعالى ما أفاء على النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا قبل بدر، فالثابت إذًا أن النساء اللاتي وقعن بأيدي المسلمين في الحروب بعد غزوة بدر هن اللاتي قد أباح القرآن للمسلمين أن يأخذوهن إماء لهم.

ثم قال تعالى:"لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ" [2] . لقد نزلتهذه الآية حين بلغ عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة امرأة، وميمونة رضي الله عنها هي آخر امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية سنة سبع من الهجرة، فليكن زمن نزول هذه الآية سنة ثمان، وفيها كذلك صراحة لإباحة التسري بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.

وحدثت غزوة أوطاس في أواخر سنة ثمان، وأصاب فيها المسلمون عددًا كبيرًا من السبايا فترددوا في المتزوجات منهن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية:"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" [3] . والآية الثانية من سورة النساء. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) هي من الآيات التي نزلت بعد غزوة أحد.

فالذي تدل عليه بالتأكيد كل هذه الآيات النازلة على فترات مختلفة بعد الآية المذكورة من سورة محمد، أن الله سبحانه وتعالى ما قصد بقوله:"فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء"كما زعمه صاحبنا، وإلا فإن التسري لا بدّ أن يكون قد حرم على المسلمين بعد نزول هذه الآية بدل أن يباح لهم وتنزل في هذا الشأن أحكام وتعليمات.

نكتة:

وقد جاء صاحبنا بنكتة بديعة في هذا الصدد وذلك حين قال:

"إن القرآن إنما ذكر العبيد -حيثما ألمّ بذكرهم- بصيغة الغابر أي بقوله:"مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"ولم يذكرهم بصيغة المستقبل، مما يستدل به على أنه إنما أقرّ ملكية الناس لمماليك كانوا قد دخلوا فيها إلى ذلك الحين ولا غير".

(1) الأحزاب: 50.

(2) الأحزاب: 53.

(3) النساء: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت