إن استدلال الكاتب في معارضته لجواز استرقاق أسرى الحرب، إنما يدور حول قوله تعالى:"حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء" [1] . وقد فسره بقوله:"إنكم أيها المسلمون إذا كسرتم شوكة الكفار في الحرب فأحكموا القبض على من وقع بأيديكم من رجالهم، ثم أطلقوا سراحهم إما منًّا عليهم أو بأخذ الفدية عنهم". مع أن الآية ليست فيها كلمة يجوز تفسيرها بأنه يجب على المسلمين إطلاق سراح رجال الكفار، وقد استنتج من ذلك أن القرآن ما قرّر بشأن أسرى الحرب إلا صورتين: إما أن يطلق سراحهم بدون فدية أو بأخذ الفدية عنهم، فلا يجوز استرقاقهم على أي حال لأن الأمر بإطلاق سراحهم قاطع واضح.
وعلينا الآن أن ننظر في الآية المذكورة من جهات ثلاث:
1 -ماذا يدل عليه ظاهر ألفاظ الآية؟
2 -وما هو تفسيرها الصحيح على ضوء الآيات الأخرى في القرآن؟
3 -وما هو مفهومها الذي أدركه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عمل به في حياته؟
مفهوم الآية:
قد وردت كلمة"إما"مقرونة بكل واحد من"منّا"و"فداء"في الآية وهي بمعنى التخيير أو الإباحة، أي معناها: إنكم أيها المسلمون مخيّرون في أمر هؤلاء الأسرى: إن شئتممننتم عليهم، وإن شئتم أخذتم منهم الفدية، أو معناها: إنه من المباح لكم أيها المسلمون أن تمنّوا على هؤلاء الأسرى أو أن تأخذوا منهم الفدية، وليس معناها أبدًا: إنه من الواجب عليكم أيها المسلمون أن تتبعوا إحدى هاتين الصورتين. أما الأمر القاطع فاكتفى بضرب الرقاب وشدّ الوثاق: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) . أما بعد ذلك فخيّر المسلمون بين المن على من وقع بأيدهم من رجال الكفار وبين أخذ الفدية منهم، أو بكلمة أخرى أبيح لهم أن يتبعوا أية واحدة من هاتين الصورتين إذا شاءوا.
أما كلمة"المن"فمعناها: الإنعام والإحسان، وأما مفهوم إطلاق سراح الأسرى في"المن"فقد أضافه إليها الكاتب من تلقاء نفسه، ولا شك أن تسريح الأسرى أيضًا من صور الإنعام والإحسان. ولكن من صوره كذلك أن يعاملوا بالإنعام والإحسان في حالة الحبس. فمن أين جاز للكاتب نفي هذه الصورة وحصر الإنعام والإحسان في التسريح؟ وإن كانت هناك في القرآن كلمة أو إشارة تدل على أن التسريح هو المراد بالإنعام والإحسان، فليتكرم ببيانها لنا؟
الآيات الأخرى في القرآن:
وأرجع الآن إلى القرآن وأبحث فيه عن آية تدل على أن تسريح الأسرى بالإنعام عليهم والإحسان إليهم أو بأخذ الفدية منهم واجب على المسلمين، ولا يجوز لهم أن يتبعوا في شأنهم أية صورة أخرى، ومن الحرام عليهم أن يسترقوهم. ولعمر الحق إنك لن تجد في القرآن آية هذا مفهومها أبدًا، على أنك ستجد فيه -بالعكس من ذلك- أحكامًا كثيرة بشأن العبيد والإماء قد نزلت بعد الآية المذكورة أعلاه. فإذا كان لك أن تقول، بالنسبة للأحكام التي نزلت قبلها: إنه ما كان نزل إلى ذلك الحين حكم قطعي الدلالة بتسريح الأسرى، فكان من المباح للناس أن يكون عندهم العبيد والإماء -بل فعلًا نزلت بشأنهم أحكام فيها تأكيد على الرفق بهم والعطف عليهم- فماذا تقول بالنسبة للآيات النازلة بعدها؟ لقد كان من مقتضى ما تفسر به هذه الآية: أن يطلق سراح كل من كان عند المسلمين من العبيد والإماء بمجرد نزول هذه الآية، ولكن مما تدل عليه الآيات النازلة بعدها أنهم لم يطلقوا سراحهم وما زالت الأحكام تنزل بشأنهم بمثل ما كانت تنزل قبلها.
(1) محمد: 4.