لقد كان البحث انتهى إلى القول بتسريح أسرى الحرب إما منّا أو فداء (بصورة النقد أو تبادل أسرى الحرب) ، ولكن ماذا على المسلمين أن يصنعوا إذا كان تسريح أسرى العدو متنافيًا مع مصلحتهم أو لم يرض العدو بدفع الفدية؟ قال صاحب"تعاليم القرآن"-أي الكاتب- ردًا على هذا السؤال: إنهم عندئذ سيكونون أسرى لدى الدولة الإسلامية، ولا يستخف بشأنهم، وأما أنت فقد قلت إنهم سيسترقون .. وقد كان صاحب"تعاليم القرآن"طالبك على هذا بدليل من القرآن على صحة دعواك، إلا إنك في جوابك لم تلتفت إلى ذلك أصلًا، ولم تأت بدليل من القرآن على جواز استرقاق أسرى الحرب، بل جئت بدليلين: الأول: إن أسرى المسلمين إذا كانوا بمنزلة العبيد بأرض العدو، فلأي سبب يجب ألا يكون من حق المسلمين أن يسترقوا أسرى الكفار؟ لا ريب في وجاهة دليلك هذا في بادئ الرأي. ولكن ماذا تصنع أنت ما دام القرآن الكريم يجب أن يرتفع بالمسلمين إلى مكان أعلى بكثير من مستوى:"عاملوا الكفار كما يعاملونكم". ولا يسمح لهم حتى أن يسبّوا أصنام المشركين؟ .. تقول بنفسك:"قد أمر المسلمون أن يعاملوا الرقيق بغاية من حسن الأخلاق والرفق والعطف"، وهذا مخالف لمبدئك الذي قد جئت به أنت، إذ كيف يصح بموجب مبدئك هذا إذا عامل الكفار من عندهم من أسرى المسلمين بغاية من الظلم والإرهاق والإهانة، أن تنزلوا أسراهم منزلة أفراد مكرمين مبجلين في مجتمعكم؟ وهل تسمح للمسلمين، على فرض صحة مبدئك، بأن ينتهكوا أعراض النساء من سبايا الكفار عندهم إذا ما انتهك الكفار أعراض النساء من سبايا المسلمين عندهم؟ ليست مبادئ الإسلام إلا مستقلة تلقائية، فهو لا يأمر بشيء أو ينهى عنه إلا وفقًا لمبادئه مهما قالت الدنيا أو عملت.
وما دليلك الثاني كذلك إلا مستمدًا من فعل أصحاب الرسول وأهل بيته وهو قد يكون كافيًا بالنسبة لنفسي، ولكن ألا يكون الحق مع المعترض إذا قال لك: قد وعدت بعدم الخروج من القرآن، فما بالك الآن تأتي بدلائلك من غير القرآن؟
وتقول: إن المسلمين عليهم ضرر عظيم في تسريح أسرى الكفار منا عليهم: لأنهم لو فعلوا ذلك لما كانت أمة من الأمم الكافرة في الأرض بالغة من السفاهة حيث تدفع إليهم الفدية. وأما الذي أراه أنا، فهو أن المنافع والمصالح التي نالها المسلمون بتسريح أسرى الكفار منّا عليهم، قلما تضاهيها دراهم الفدية ودنانيرها، وبه تبدلت عقلية الناس ونظرتهم إلى الإسلام، وقد أطلق الرسول سراح آلاف من أسرى العدو بغير فدية، وتشهد الأرض والسماء بما ترتب على حسن فعاله هذا من الآثار والمنافع. وفوق هذا فإن القضية التي يدور حولها النقاش، إنما هي قضية استرقاق الأسرى وبيعهم، فعليك أن تقصر عليها كلامك وتبيّن حكم القرآن وهديه فيها. وقل لي بالله، إن أمة إذا لم تؤد اليوم فدية إلى المسلمين ويأبى المسلمون أن يسرحوا أسراها منًا عليهم، فماذا يجب عليهم أن يعاملوهم به؟ إن البحث في"مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"وأسرى الحرب من أهم قضايا الساعة، فأرجو أن تعالجه مشكورًا.
آخر ردنا على دلائل الكاتبين: