والرأي الذي أعربت عنه في قضية الرق تقول فيه في جانب، أن الرق حرام بحكم القرآن، وتعترف في الجانب الآخر بأن الصحابة وأهل البيت رضي الله عنهم كانوا يسترقون أسرى الحرب. أفلا يدل ذلك على أن إن كان هذا الفعل من الصحابة وأهل البيت رضي الله عنهم حرامًا ومخالفًا للقرآن؟ ومهما تأتنا به من جواب كاف شاف من ناحية التاريخ ومن البحث في ضرورات الأسباب والظروف، فإنك لا تستطيع أبدًا أن تلقي الستار على النتيجة المنطقية لمقدمات كلامك. ما عليك أن تعترف بأن كان هذا الفعل من الخلفاء الراشدين وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رحمهم الله حرامًا ومخالفًا للقرآن فحسب، بل لا بد أن تعترف كذلك بأن القرآن -والعياذ بالله- جاء قبل أوانه بقانون غير حكيم، ما كانت فيه أية رعاية للظروف الراهنة في ذلك الزمان، وتعذر على الناس أن يعملوا به إلى اثني عشر قرنًا ولم يستطع أن يتبعه، ولا أولئك الذين تربوا في أحضان الرسول صلى الله عليه وسلم والذين قد عملوا لإفراغ حياتهم في قالب هدى الإسلام إلى آخر حد من حدود الإمكان.
وما ذلك بقياس منطقي وحسب، بل لا بد أن تعرف، إذا ما تفكرت قليلًا، أننا إذا حملنا قوله تعالى:"فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء"على ما جئت به من مفهوم، وقلنا أنه هو قانون الإسلام، فقد يكون هذا القانون بالغ النهاية في الإضرار بالمسلمين، ويتعذر عليهم معه أن يعملوا به في بعض الأحيان لأن معنى العمل بهذا القانون أن يكون من واجبهم على كل حال أن يسرحوا أسرى الكفار، حتى ولو لم يدفعوا الفدية ولم يرضوا بتبادل أسرى الحرب في حال من الأحوال. ولعمري إن قانون المسلمين لو كان هكذا في حقيقة الأمر، فما كانت أمم من الأمم الكافرة في الأرض بالغة من السفاهة حيث تدفع إليهم الفدية أو تسرح أسراهم، وكان لا بد إذن أن يقع مئات وآلاف منهم كأسرى بأيدي الكفار ثم لا ينالوا حريتهم أبدًا، بخلاف رجال العدو من الأسرى فإنهم لا بد أن ينالوا حريتهم مع انتهاء كل حرب. قل لي بالله هل مثل هذا القانون يعتبر بالقانون العادل؟ وهل بإمكان المسلمين أن يعملوا به في زمن من الأزمان؟
تأييد من كاتب آخر لموقف الكاتب المذكور