الصفحة 41 من 155

ولكن مما غاب عن ذهنك في هذا الشأن أن الخمر والزنا والقمار إنما هي جرائم خلقية شخصية كان من الواجب إلغاؤها فورًا، وأما المماليك، على العكس من ذلك، فقد كانوا دخلوا في الحياة الاقتصادية لسكان جزيرة العرب وكانت مئات من البيوت والقبائل تنال رزقها عن طريقهم، فلو أن القرآن أمر في مثل هذا الوضع بتسريحهم فورًا لأدى ذلك إلى تدهور معيشة كثير من القبائل وانتشار الفوضى، فآثر أن يكون إلغاؤه للرق تدريجيًا إذ كان ذلك هو المتلائم مع الوضع القائم آنذاك.

تعقيبًا على تعقيب الكاتب:

إن القرآن إنما أباح للمسلمين أن يسرحوا أسرى الحرب إما منًّا أو بأخذ الفدية منهم -بصورة النقد أو بتبادل الأسرى- بمحض إرادتهم، ولم يأمرهم باختيار الصورة الأولى وجوبًا إذا لم يمكنهم العمل بالصورة الثانية. وذلك أن الله عز وجل يعرف الفطرة الإنسانية، ويعرف أن الأمر لو كان مقتصرًا على عدد قليل من الأسرى لأمكن للمسلمين تسريحهم عن طيب خاطر منهم، كما قد فعلوا ذلك غير مرة واحدة في عهد الرسالة وعهد الصحابة، ولكنه ما دام الأمر مرتبطًا بمئات وآلاف من الأسرى، وكان مع ذلك مئات وآلاف من أفراد المسلمين أسرى في أيدي الكفار وقد فرض عليهم الرق، فلا بدّ أن يتعذر على المسلمين تسريح من عندهم من رجال الكفار منا عليهم فقط. فإنما الطريق المفتوح لحرية أسرى الحرب في هذه الصورة الأخرى، هو إما أن يدفعوا قدرًا من النقود إلى المسلمين، أو أن تبادلهم حكومتهم القومية بمن عندها من أسرى المسلمين. وأما إذا لم يدفعوا شيئًا من النقود إلى المسلمين، ولم تبادلهم حكومتهم القومية بمن عندهم من أسرى المسلمين، وكان أسرى المسلمين بمنزلة العبيد بأرض العدو -كما ظلت للأسرى هذه المكانة إلى آلاف مؤلفة من السنين في واقع الأمر- فلأي سبب ينبغي ألا يكون من حق المسلمين كذلك أن يسترقوا أسرى الكفار؟ والذي أراه، أنك لا تنظر في هذه القضية إلا من مرآة الظرف الراهنة، أي بعد أن قد توقفت الأمم غير الإسلامية عن عادة استرقاق أسرى الحرب، وراج في الدنيا على الوجه العام طريق تبادل الأسرى، وزالت الظروف التي كان يضطر فيها المسلمون إلى استرقاق أسرى الحرب، ولذا تجد نفسك في تردد وحرج في التسليم بمشروعية القانون الإسلامي للرق، ولكنك إذا أجلت نظرك في الظروف التي كانت تسود العالم إلى ما قبل قرن وبعض قرن، فلا جرم أنك تعرف أن القانون الإسلامي ما جاء بشطط أو حيف إذ أباح الرق. ومن كمال حكمة القرآن أنه جاء في قضية الرق بحكم كان يلائم الظروف السائدة في ذلك الزمان، وفي الوقت نفسه جاء بقانون إصلاحي بالنسبة للمستقبل، حتى إذا تغيرت الظروف انطبق القانون الجديد بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت