إن كل واحد من بني آدم مَلِك في الأرض، وقيل في آدم"إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" [1] ، وقيل في أبنائه:"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ" [2] ، ثم قيل في علو منزلتهم وعظيم مرتبتهم:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" [3] ، أفلا يخالف الفطرة استرقاق ابن آدم وقد خلق ليكون ملكًا في الأرض، بل نائبًا عن الله تعالى كما فسرت أنت كلمة"الخليفة"بالنائب عن الله. والأمر إذا كان هكذا، فكيف يرجى من القرآن أن يقرّ شيئًا يقارع الفطرة ولا يأمر بإلغائه؟ ومما اعترفت به في ردك:
فكأنك قد اعترفت بذلك أن استرقاق حر جريمة تبلغ من الفظاعة والشناعة مبلغًا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو خصم من يرتكبها يوم القيامة. أما أسرى الحرب فقد أمر القرآن بتسريحهم أمرًا قاطعًا حيث قال"فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء"سواء أكانت الفدية بصورة النقد والمتاع أو بصورة تبادل الأسرى. نعم، يجوز حبسهم ما دام الخوف على المصلحة الإسلامية قائمًا بتسريحهم ولكن لا يجوز استعبادهم. والقرآن ما أباح ولا للحكومة أن تستعبدهم ثم تبيعهم أو توزعهم بين الجنود، وإنما يبقون أسرى لدى الدولة الإسلامية ولا يستخف بشأنهم. أما أنت، فتقول على العكس من ذلك: أنه من حق المسلمين أن يوزعوهم بينهم، ويملكوهم ثم يستخدموهم أو يتاجروا بهم كالغنم والبقر، حتى يظلوا عبيدًا محرومين من كل حق إنساني جيلًا بعد جيل، وبطنًا بعد بطن إلى يوم القيامة، ما دام سادتهم لا يطلقون سراحهم، فلا يملكون قرشًا ولا حبة ولا ينالون حقًا من حقوق الإنسانية حتى ولو قبلوا الإسلام. فهل هذا هو هدى القرآن وقانونه؟ وهل تستطيع التدليل عليه بآية أو لفظ أو حرف في القرآن؟ فما بالك أن تعترض عليّ بأني ألفت كتابًا في تعاليم القرآن؟ أنت استدللت على رأيك بقولك:"إن كثيرًا من أسرى الحرب قد استرقوا حتى في عهد الصحابة بعد نزول القرآن، وكان في بيوت أهل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كثيرًا من العبيد من أسرى الحرب والإماء من البلاد المفتوحة". إن كل فعل من أفعال الصحابة وأهل البيت رضي الله عنهم يكون مستمدًا من تعاليم الدين في رأيك، وأما أنا لا أعد فعلًا من أفعالهم وفق الدين إلا إذا كان له دليل في القرآن. غير أنك إذا أردت أن تناقشني من ناحية التاريخ، فإن لي أن أجيب جوابًا مقنعًا على السؤال: تحت أية ملابسات وظروف وجد الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين أنفسهم مضطرين إلى استرقاق خلق الله؟ ولكن لا يجوز اعتبار فعلهم هذا -وكان في بيئة مخصوصة- توجيها من توجيهات القرآن. لا يخلو من القرآن بيت من بيوت المسلمين، فارجع إليه ثم ارجع البصر، هل ترى فيه دليلًا على إباحة هذا الرق المخالف للفطرة"؟"
لقد قلت في تعقيبي السابق: إن الرق لما كان شائعًا في بلاد العرب وكان الناس عندهم المماليك، لذا فإن القرآن تركهم في الرق وفي الوقت نفسه فتح غير طريق واحد لخروجهم إلى عالم الحرية. وأما بالنسبة للمستقبل فأغلق باب الرق بتاتًا، وعلى هذا قلت:"... فما نسبة مثل هذه المصلحة إلى الله في حقيقة الأمر إلا كنسبة النقص إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه ما دام قد حرم الخمر ولم يبال في ذلك برغبات الناس وأهوائهم قليلًا ولا كثيرًا، وأنه ما دام قد حرم الزنا ولم يبال بما كان له في تلك الأيام من الرواج العظيم في بلاد العرب وغيرهم، فأي أمر من الأمور كان له أن يمنعه سبحانه وتعالى من تحريم كل صورة من صور الرق بصفة نهائية قاطعة".
(1) البقرة: 30.
(2) الأنعام: 165.
(3) الإسراء: 70.