أما الأولى من هاتين الصورتين، فقد حرمها الرسول صلى الله عليه وسلم تحريمًا باتًا حيث قال:"قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" [1] . وأما قانون الإسلام بالنسبة للصورة الثانية فهو أن يخلي سبيل أسرى الحرب منّا عليهم، أو بأخذ الفدية أو بتبادلهم بمن عند العدو من الأسارى المسلمين، ولكن إذا كان تسريحهم بالمنّ عليهم متنافيًا مع المصالح الحربية، ولم يمكن أخذ الفدية، ولم يرض العدو بمبادلة أسرى الحرب، فمن حق المسلمين أن يسترقوهم. على أن يعاملوا هؤلاء الرقيق بغاية من حسن الأخلاق، والرفق والعطف. كما أمروا بأن يقوموا بتعليمهم وتربيتهم وجعلهم أفرادًا صالحين للمجتمع، واستحثوا بوسائل الترغيب والتلقين وأحكام الدين وقوانين الدولة على أن يمنوا عليهم بالعتق، ابتغاء لنجاتهم الأخروية أو تفكيرًا لذنوبهم حسب الأحكام الدينية، أو في مقابل قدر معلوم من المال يأخذونه منهم. ومما يجب لمعرفة هدى الإسلام وقانونه الصحيح في هذا الباب، أن نراجع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله، وفعل أصحابه رضوان الله عليهم مع نظرنا في أحكام القرآن والرجوع إليها. والسبب الحقيقي لخطأ الكاتب، أنه إنما حاول أخذ قانون الرق من القرآن وحده.
أما النكتة التي قد استخرجها الكاتب من كلمة"مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"فما هي بصحيحة لأن كثيرًا من أسرى الحرب قد استرقوا حتى في عهد الصحابة بعد نزول القرآن، وكان في بيوت أهل النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من العبيد من أسرى الحرب والإماء من البلاد المفتوحة. فهل كان هؤلاء قد خالفوا حكم القرآن عمدًا؟ أم لم يكونوا يعرفون حكم القرآن؟
ثم إنه إن كان من القواعد في نظرك: أن الماضي هو الذي يراد بكل ما جاء في القرآن بصيغة الماضي ولا يراد به الحاضر ولا المستقبل، فالعجب أنك بنفسك قد فسرت في كتابك قوله عز وجل: اقتربت الساعة وانشق القمر (بأن القمر سينشق حين تأتي الساعة) وفسرت قوله تعالى:"وكان عرشه على الماء"بقولك:"إن عرشه على الماء".
ثم يقول الكاتب محتجًا بقوله تعالى:"حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء":"ما كان هنالك للرق إلا طريق واحد هو طريق أسرى الحرب، فقد أغلق القرآن هذا الطريق إلى الأبد لما أمر بمنحهم الحرية"ولكن غاب عن بال الكاتب -ولا ندري كيف غاب- أن الكفار إذا لم يؤدوا الفدية بصورة المال ولا تبادلوا مع المسلمين أسرى الحرب، فهل قد فرض على المسلمين حتى عند ذلك أن يمنحوا أسرى الحرب الحرية منًّا عليهم؟ وهل من الواجب عليهم أن يمنحوهم الحرية ولو خافوا أنهم إذا سرّحوهم وخلوا سبيلهم، لحقوا بالعدو وقووا ساعده وأعادوا على المسلمين الغارة؟ ولا تدل ألفاظ الآية على هذا الحكم القاطع اللازم. ومعنى"المنّ"-وهي الكلمة الواردة في الآية- الإنعام والإحسان، والقرآن لم يأمر بالإنعام والإحسان في شأنهم في آية من آياته، وإنما اعتبرهما من أفضل الأعمال واستحث المسلمين عليهما. وهو ما أراده القرآن في هذه الآية أيضًا فبين للمسلمين: أن تسريح أسرى الحرب إنعامًا عليهم وإحسانًا إليهم عمل من أعمال الخير، وما مقصوده أبدًا أن يأمرهم بالإنعام عليهم والإحسان إليهم ولو عاد هذا الصنيع بالأضرار على المصلحة الإسلامية.
تعقيب هذا الكاتب على نقدنا:
(1) البخاري: كتاب البيوع.