ثم إننا لنجد في سورة المائدة ما يعزز هذا الأمر، حيث يقول سيدنا موسى عليه السلام لقومه:"يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ"، فواضح من هذا أن السلطة التي نالها يوسف عليه السلام في مصر، حدث من أجلها انقلاب كامل في مصر آخر الأمر، حتى صار الحكم في أيدي بني إسرائيل بدلًا من الفراعنة، وكتب لهم من العلو والغلبة ما لم يكتب لأية أمة من الأمم المنافسة لهم.
أما النفوذ الديني الذي تركه سيدنا يوسف عليه السلام في مصر، فنجد الشهادة به في سورة المؤمن حيث يقول مؤمن آل فرعون لفرعون المعاصر لسيدنا موسى عليه السلام"وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا"-أي لا يأتي بعده من الرسل من يماثله في علو شأنه وعظيم مرتبته.
فقل لي بالله الآن هل لأحد من الناس، إذا فهم هذه الحقيقة لأمر سيدنا يوسف عليه السلام، أن يتجاسر على أن يستدل به على أنه يجوز للمرء أن يكون جزءًا في جهاز حكومة غير إسلامية لأنه قد فعل ذلك نبي من أنبياء الله؟
وأما آية"مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ"التي يُستَدلّ بها على التزام يوسف عليه السلام بالقوانين الفرعونية، فإنه وإن كان المجال واسعًا للكلام على معناها ومدلولها، إلا أن غاية ما يثبت بها، -وذلك إذا سلمنا حتى بمفهومها العام- هو أن المرحلة التي حدثت فيها هذه القصة هي إحدى مراحل حكومة سيدنا يوسف عليه السلام. (والظاهر من القرائن إن كانت هي من مراحلها الابتدائية، لأنه ما إن مضت عدة سنوات على كونه(عزيز مصر) حتى تفجرت المجاعة الشهيرة التي جاءه فيها إخوته من كنعان (فلسطين) للحصول على الغلة). ولم يكن القانون الجنائي المطبق في مصر في تلك المرحلة إلا نفس القانون الذي كان نافذًا فيها قبل حكومته. ولا غرو، فإنه ما كان بإمكانه أن يغير النظام الاجتماعي القائم في مصر كلها بين عشية أو ضحاها. وإنما كان ذلك ليتم على يديه تدرجًا. ألا ترى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل على تغيير نظام المدنية في بلاد العرب ما تم إلا في عشر سنوات متوالية؟ فقد غيّر نظام الوراثة سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، ونفذت قوانين النكاح والطلاق على صورتها الكاملة بعد الهجرة بخمس أو ست سنوات، واستغرق استكمال القوانين الجنائية نحو ثماني سنوات أو أكثر، وغيّر نظام البلاد الاقتصادي في نحو تسع سنوات تدرجًا، وحرّمت الخمر بصفة قاطعة نهائية سنة ثمان، وألغى الربا إلغاء كليًا سنة تسع. فإذا كان يوسف عليه السلام هكذا أخذ بمبدأ التدريج في تغيير قوانين مصر، بحيث أن قوانينها السابقة هي التي ظلت نافذة فيها لبعض الفترات في حكومته، فلا يجوز الاستدلال بذلك على أن كان نبي من أنبياء الله يلتزم قوانين الجاهلية معتقدًا بصحتها ومشروعية نفاذها؟