الصفحة 35 من 155

2 -إذا أدركت هذه الحقيقة فلا بد أن تقلّلت في ذهنك وجاهة دليلك الثاني، لأن سيدنا يوسف عليه السلام إن كان نبيًا مرسلًا من الله في الواقع، فلا جرم أن تكون رسالة حياته هي نفس الرسالة التي جاء بها كل نبي مرسل من الله ألا وهي إعلاء كلمة دين الله على كلمة أي دين آخر، (وهذه) حقيقة أساسية يجب ألا تغيب عن الأذهان كقاعدة كلية بالنسبة لتفسير مختلف الحوادث في سيرة جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وإلا فإننا إذا أقررنا بأن كان يوسف عليه السلام ينفذ في مصر دين الملك بدلًا من دين الله أيام حكومته، فلا يبقى ثمة فرق أساسي بين يوسف الصديق وبين السير اسكندر وفضل الحق [1] . ومن دواعي الأسف أن الناس في هذا الشأن قد تباعدوا عن الحقيقة بعدًا عظيمًا، فهم في حقيقة الأمر ما فهموا مغزى قصة سيدنا يوسف عليه السلام كما هي. ومن هنا يظنون أن يوسف عليه السلام حينما قال لملك مصر"اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ"إنما طلب منه منصبًا في حكومته. فاستجاب له الملك وأعطاه منصبًا يشبه منصب تودور مل في حكومة الملك أكبر في الهند [2] ، مع أن الحقيقة على عكس ذلك تمامًا.

فسيدنا يوسف عليه السلام في بداية أمره إنما اختار لإقامة دين الحق نفس ذلك الطريق الذي ما زال الأنبياء يسلكونه، وهو عبارة عن الدعوة العامة أولًا، ثم تربية وتنظيم الذين يقبلون هذه الدعوة، ثم الجهاد في سبيل إقامة الدين. فقد كان بدأ هذه الدعوة منذ كان في السجن، وقد وردت في الآيات 37 - 41 من سورة يوسف خطابًا من أحسن ما قال في تلك الأيام، ولكن فاجأته فيما بعد فرصة كان بإمكانه إذا انتفع بها، أن يبلغ غايته بطريق أقصر. وهي أنه وجد الملك قد ولع به مما سجله في قضية امرأة العزيز وصواحبها من مثل عليا في طهارة الأخلاق وصلابة السيرة، ومما أثبته من البصيرة النافذة في قضية التعبير عن رؤيته ... قد ولع الملك به بسبب كل ذلك إلى حد أنه إذا طلب منه سلطات الحكم بكاملها لم يتردد في تفويضها إليه. ولذلك فإنه عليه السلام بدلًا من أن يحقق رسالته عن طريقة الحركة العامة الناشئة من القاعدة، رأى أن المبادرة إلى الأخذ بزمام السلطة الحكومية أقرب طريق وأقصره لإقامة الدين القيم فقال للملك:"اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ"أي اجعلني متصرفًا في كل ما في أرض مصر من الوسائل والإمكانيات. ما كان هذا الطلب من سيدنا يوسف عليه السلام لمنصب وزارة المال فحسب، كما يظن بعض الناس وإنما كان للسيطرة الكلية على أرض مصر، ونتيجة لذلك نال سيدنا يوسف عليه السلام مركزًا كمركز موسوليني في إيطاليا في وقتنا الحاضر [3] مع فرق بينهما، وهو أن ليس ملك إيطاليا من المولعين بموسوليني، وإنما هو مرغم على ذلك لنفوذ حزبه في البلاد، بينما كان ملك مصر قد أصبح من مريدي سيدنا يوسف عليه السلام المولعين به [4] .

والله تعالى نفسه يشهد بهذه السلطة ليوسف عليه السلام حينما يقول سبحانه وتعالى:"وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ"أي كانت أرض مصر بجملة وسائلها في يده.

(1) لقد كان هذان الاثنان رئيسين للوزارة في بنجاب وبنغال حينما كتبنا هذه الكلمة وقد كتبناها أيام كان الحكم البريطاني قائمًا في الهند. فيجوز للقارئ الآن أن يتصور مكانهما وزيرًا في أية حكومة غير إسلامية.

(2) وزير هندوسي من وزراء الملك أكبر من الملوك المغول في الهند.

(3) لقد كان موسوليني أيام تسجيلنا هذا المقال حيًا وكان دكتاتورًا مطلق العنان في إيطاليا.

(4) بل يقول المفسر الشهير الإمام مجاهد كان الملك قد دخل الإسلام على يد سيدنا يوسف عليه السلام (ابن جرير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت