الصفحة 34 من 155

ومن الظاهر كذلك أن هذه القوة التي تحافظ على نظام الحياة الاجتماعية بما أحرزت من الغلبة والسيادة، تتخذ لنفسها خطة للعمل وفق نظريتها ومذهبها الاجتماعي، فيكون لنوعية هذه السيادة ولأبعاد هذه الخطة -على ما هي عليه من الأساس والتفصيل- ضلع كبير في صلاح الحياة الاجتماعية وفسادها، بل لا بد حتى للحياة الفردية أن تنصاغ إلى حد عظيم في القالب الذي تضعه الدولة شاءت أم لم تشأ. فيصح القول على هذا، بأن الذين يعيشون في حدود دولة، لا بد لهم أن يتنازلوا عن تسعين في المائة من ركائز عقيدتهم ومذهبهم، ويسيروا فيها على عقيدة الدولة ومذهبها ولو كانوا لا يؤمنون بنظريتها الأساسية وخطتها التفصيلية للعمل، بل لا يزال استعلاء عقيدتهم ومذهبهم على العشرة في المائة الباقية من الركائز، تتململ مع مرور الأيام وتطور الحياة الاجتماعية.

إنه لا بد من"الإكراه"في الحياة المدنية إما من جانب الكفار أو من جانبنا نحن معشر المسلمين، وبدل أن يقدم عليه الكفار ويتولون قيادة الحياة المدنية ويجرونا إلى جهنم على طواعية منا أو على كراهية، يجمل بنا أن نقدم عليه نحن، ثم نجرّ الكفار إلى المكان الذي يقرب من طريق الجنة حتى يسهل عليهم انتهاجه إن شاءوا ورضوا.

هذا من وجهة، ومن وجهة أخرى فإن الله هو مالك هذه الأرض، فلا حق للعيش في أرضه والتمتع بنعمه والتصرف في ملكه إلا لمن كان مطيعًا لأحكامه متبعًا لقانونه الطبيعي والشرعي. وأما من لا يفعل هذا فهو ظالم غاصب خارج على سلطانه، وما عصيانه هذا خلافًا للحق فحسب، بل هو مصدر للفساد في نظام الأرض ومدعاة لفتنة أهلها، فالحق أن ليس للمنحرفين عن الله وعن اتباع قانونه الطبيعي والشرعي حق للعيش في أرض الله، ولكن من كمال رحمة الله وحلمه أن يمهل لهم أن يعيشوا في أرضه. لا هذا فحسب، بل يخيّرهم في البقاء على كفرهم وشركهم وإلحادهم ودهريتهم إلى حد لا يتولد عنده فتنة لعباده الآخرين. غير أنه لا يقبل أبدًا أن يعرضوا عن قانونه الشرعي ويسيّروا نظام أرضه تبعًا لقوانينهم الوضعية ويملئوا أرضه ظلمًا وفسادًا، فهو -لأجل هذا- إذ ينهى المؤمنين بقانونه الشرعي عن إكراه الكفار على الإيمان بدين الحق، يأمرهم ببذل كل جهودهم لمحو فتنة ناتجة عن غلبة الكفر والكفار، حتى يقوم نظام أرضه على"دينه"وحده ويعيش فيها الذين لا يؤمنون بدينه صاغرين لا كابرين (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت