الصفحة 33 من 155

أما الدليل الأول من هذه الدلائل الثلاثة، فما هو في حقيقة الأمر إلا مظهر من مظاهر سوء الفهم. فكون الشخص يؤمن بمبدأ من المبادئ ويلتزم في حياته بطريق من الطرق، هذا موقف يختلف عن موقفه إذا كان هو يضع لنفسه نظامًا للحياة الاجتماعية مستمدًا من مبادئه وأفكاره، ثم يفرضه على سكان قطر من الأقطار بالقسر والقوة [1] . فالفرق جلي بين هذين الموقفين. إلا أن المعترضين يصرفون النظر عما فيها من الفرق والاختلاف ويخلطون هذا مع ذاك ويعتبرونهما شيئًا واحدًا، وبالتالي يطلقون على كليهما حكم آية"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"وآية"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"، مع أن هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات من هذا القبيل لا تتعلق إلا بالموقف الأول. لا ريب أننا لا نرغم أحدًا من غير المسلمين على أن يترك عقيدته ويقبل عقيدة الإسلام، أو أن يترك العبادة على طريق دينه ويلتزم الصلاة والصيام، ولكننا لا نعترف بحقه في أن يفرض علينا بقوة الحكومة ما لديه من النظريات في الأخلاق والتعليم والمدنية والاقتصاد والقانون والسياسة وما إليها من الشؤون الاجتماعية الأخرى إننا إن نأذن لغيرنا في اتباع ما شاءوا من دين أو مذهب، فذلك تسامح ولا شك، ولكن ليس من التسامح أبدًا أن نتحمل أن يسيطر علينا دين غيرنا ليذهب بنا كل مذهب في الحياة الاجتماعية. فكل فلسفة تقوم عليها حكومة بلد من البلاد، لا بد أن توضع قوانين تلك الحكومة وسياستها للإدراة والحياة الاجتماعية كلها وفق تلك الفلسفة. ومن المحال إن كنا نعيش في ظل هذه الحكومة أن نؤسس نظام حياتنا على مبادئ ديننا ومذهبنا، وسواء علينا أجزعنا أم صبرنا، فإن أتباع تلك الفلسفة لا يتورعون عن تنفيذ أفكارهم ونظرياتهم في حياتنا كلها من خلال سيطرتهم السياسية. فالأخذ بمبدأ التسامح في هذا الوضع لا يعني إلا أن نصبح مستسلمين للواقع وخاضعين لما يجري في البلاد. فمثلًا إنهم -أي أتباع الفلسفة الحاكمة- إن كانوا لا يعتقدون بحرمة الزنا، بل يبيحونه للناس إباحة عامة، فنحن بحكم كوننا رعايا وفيّة لحكومتهم نتحمل أن ينتشر الزنا في مجتمعنا. إذ لسنا إلا رعايا لحكومتهم، وأن لا يسلم أحد منا من دنس الربا مهما كان المثل الأعلى في ورعه وتقواه، ولا نشتري علبة من الكبريت أو كسرة من الخبز ما لم ندفع قدرًا من الربا بصورة الضرائب غير المباشرة إن كانوا لا يحرّمون الربا وتتعامل به حكومتهم وأن لا يقوم نظام التعليم في البلاد إلا على نظريات الإلحاد وأفكاره وعقليته وأخلاقه، وتنسدّ على وجوه السكان كل أبواب الرقي والرخاء سوى باب جهنم، ولا يستطيع أكبر متعبد لله أن ينقذ ذريته من سموم الإلحاد وتأثير الأخلاق الإلحادية إن كانوا يؤمنون بنظريات الإلحاد والدهرية، وأن يتحرر جزء عظيم من حياتنا الاقتصادية والمدنية والاجتماعية من التقيد بالقانون الذي نؤمن به ... ويا ليت شعري أي نوع هذا من أنواع التسامح؟ وبموجب أي دليل يجوز تفسير"لا إكراه في الدين"بأن نتحمل الإكراه في ديننا من قبل غيرنا.

من الظاهر أنه لا بد من قوة رادعة ( Coercive Power) لإقامة نظام الحياة الاجتماعية، وهذه القوة الرادعة هي التي تعرف بالدولة.

(1) وليكن القارئ على علم بأن ليست الحكومة إلا اسم آخر للإجبار والإكراه Coencion فالظاهر أن كل نظرية أو مبدأ أو قانون أساسًا للحكومة لا يطبق على السكان في دائرة تلك الحكومة إلا بالقسر والقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت