أما قوله عز وجل"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"فإنما معناه أن الإسلام لا يفرض على أحد عقيدته قسرًا، إذ ليست العقيدة أمرًا يمكن تعبئة القلوب بها قسرًا وأنه -كذلك- لا يرغم أحدًا على قبول شعائره التعبدية التي هي ذات صلة وثيقة بعقائده، لأن هذه العبادات لا معنى لها أبدًا بدون الإيمان الصحيح. فالإسلام في هذين الأمرين مستعد لإطلاق الحرية لكل واحد من الناس، ولكنه غير مستعد ليصبر على أن تكون القوانين المدنية -التي يقوم عليها نظام الدولة- وضعية يضعها وينفذها في أرض الطغاة الخارجون عن طاعته، ويعيش المسلمون تحت كنفهم خاضعين مستسلمين. وفي هذا الشأن لا بد لأحد الطرفين أن يتدخل في"دين"الطرف الآخر، فالمسلمون إذا لم يتدخلوا في"دين الكفر"فلا بد أن يتدخل الكفار في"دين الإسلام"، الأمر الذي يؤدي إلى سيادة دين الكفر على جزء غير يسير من حياة المسلمين، فبدل أن يكون هذا التدخل صادرًا من الكفار في دين المسلمين، يحب الإسلام وينادي المسلمين بأن يتقدموا ويمسكوا بزمام نظام الحياة ثم يعاملوا غيرهم بعدم الإكراه في الدين فيما يخص عقائدهم وشعائرهم وعباداتهم.
هذا، ونحب الآن أن نلقي نظرة على الدلائل التي قد استند إليها حضرة المعترض والتي يستند إليها عمومًا من لفّ لفّه من أهل الفكر والعلم. فأول دلائله"إنه ما دام المراد"بالفتنة"غلبة الكفر واعتلاء الكفار في رأيك، وما دامت غاية الجهاد والقتال القضاء على ما قد سميته"الفتنة" في تفسيرك وإقامة دين الله مكانه، فمما يستلزمه كل هذا أن يكون للإسلام موقفان متضادان: يقول في جانب"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، ويأبى في جانب آخر أن يعترف لغير المسلمين بحقهم في إقامة نظام الحكومة حسب عقيدتهم ومذهبهم، ويودّ أن يفرض عليهم "دين الله"قسرًا بإلغاء قوانينهم. وكذلك يقول من جانب لأتباع الأديان غير الإسلام:"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"ويعطيهم الحرية في اتباع أديانهم وعقائدهم، ومن جانب آخر يعلن الحرب عليهم بنفس الحجة أي بحجة أنهم ينظّمون شؤون الدنيا وفق عقائدهم ومبادئهم. والظاهر أن ليس الإسلام بذي وجهين هكذا، فالخطأ في تفسيرك لا في موقف الإسلام".
ودليله الثاني أنه لو كان وجود الحكومة غير الإسلامية في حد ذاتها فتنة في نظر الإسلام، وكان المسلمون مدعوين إلى محوه، لما كان من الممكن أبدًا أن يطلب سيدنا يوسف عليه السلام منصب الوزارة في حكومة مصر غير الإسلامية ويعمل متقيدًا بقوانين الملك في عهد وزارته كما هو ظاهر من قوله تعالى:"مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ".
ودليله الثالث:"إن الاعتراف بصحة تفسيرك يستلزم الاعتراف بأن الإسلام ينشب في العالم حربًا غير منقطعة، ويأمر أتباعه بأداء فريضة يكاد يكون من المحال معها أن يحيوا في الدنيا حياة آمنة مطمئنة، ألا وهي فريضة الحرب الهجومية. إذا من الواجب علينا بموجب هذا التفسير أن نرفع لواء الجهاد لا في مقابل كل الدول غير الإسلامية فحسب، بل في مقابل الدول المسلمة التي لا تحكم بما أنزل الله أيضًا، وما دامت هذه هي نظريتنا وفريضتنا الدينية، فكيف من الممكن أن يتعايش معنا غير المسلمين ويتعاملوا معنا في غمرة من الاطمئنان، وتتحمل الدول غير المسلمة كياننا في داخل حدودها"؟