نعم، كان من واجب الإسلام أن يقول ذلك لأعدائه، بدل أن يلقّن أتباعه تعاليم الحرب والجهاد، فيما إذا كانت مهمته مقتصرة على أن ينشّئ الناس على عدد من العقائد الروحية والمبادئ الأخلاقية، كما قلنا. ولعمري إن النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه لو قالوا هذا لمشركي مكة بلباقة وأسلوب جميل -ومع ذلك ظلوا يسدون إليهم الخدمات بكامل إخلاص ووفاء- لما وجدوا مشركي مكة من الحماقة والفساد والغباوة، بحيث لا يتركون لهم حتى حرية الأذان والصلاة في داخل المساجد، أو حرية إقامة الجمعيات التبليغية في خارجها.
ولكن إذا لم تكن الحقيقة إلا أن الإسلام -عكس ذلك- نظام شامل للحياة، وفيه الأحكام والقوانين عن كل شأن من شؤون السلوك الفردي والحياة الاجتماعية، بجانب العقائد والأخلاق والعبادات، وإذا كانت دعوة الإسلام تقوم على تحقيق كامل نظامه، وإذا كان من دعواه أن نظامه هو الحق وفيه سعادة الإنسانية وفلاحها، وأن كل نظام سواه باطل، فلا بد -مع كل هذه الأمور- أن يطالب الإسلام أتباعه برفع راية نظامه وتنكيس راية كل نظام آخر في الأرض. وقل لي بالله أليس من الحماقة والسخافة أن نعرض الإسلام على الدنيا باعتباره الدين الحق الوحيد، ثم لا ندعو الدنيا إلى إقامته فعلًا؟ وأكثر من ذلك حماقة وسخافة أن نقول ببطلان النظم الأخرى ثم نصبر على علوّها وتغلّبها صبرًا جميلًا. ومن المحال بداهة، فوق كل هذا، اتباع نظام للحياة تحت ظل نظام آخر، وإن الذي يطالب الناس باتباع ما يعرض عليهم من النظام، وفي الوقت ذاته يوصيهم بأن يعيشوا عيشة وادعة مطمئنة تحت النظم الأخرى فهذا رجل فارقة العقل بدون ما ريب.
فدعوة الإسلام إلى نظامه المخصوص المعالم للحياة الإنسانية تستلزم بحكم فطرتها أن يطالب أتباعه بأن يستأصلوا كل نظام في الأرض ويقيموا مكانه نظامه وأن يأمرهم لتحقيق هذه الغاية باختيار كل طريق من طرق الجهاد والنضال يعينهم على تحقيقها، وأن يجعل العلامة المميزة لإيمان الناس وعدم إيمانهم: هل يسترخصون في هذا الجهاد والنضال كل ما يملكون من النفوس والنفائس، أم يقتنعون بالعيشة تحت النظم الباطلة؟ ارجع إلى القرآن وإلى الحديث، تجد -إن لم تكن في قلبك حاجة تريد قضاءها- أن هذا هو موقف الإسلام الطبيعي لا كما بيّنته أنت.
فإذا كانت الحقيقة لذلك، وقد آمنا بالإسلام بعد المعرفة بطبيعته هذه، فلا بد أن يكون وجودنا تحديًا سافرًا لكل دولة غير إسلامية. وسواء أيصبر عليه أحد أو لا يصبر، وسواء أكسبنا التعاون والتعامل مع غيرنا أم لم نكسبها، من وظيفتنا على كل حال، إن كنا صادقين في إيماننا، أن نجاهد ونناضل لتطبيق قانون الله في كل بقعة من بقاع الأرض. ليس إسلامنا بمشروط بأن يصبر المنحرفون عن صراط الله على جهادنا ونضالنا، كما أن ليس التعاون والتعامل مع غير المسلمين بشيء ثمين نتخلى إزاءه عن الجهاد في إقامة نظام الحياة التي آمنا به. لا شك أن الإسلام دين يدعو إلى السلم ويحافظ على الأمن إلا أن السلام الحقيقي لن يحصل في نظره إلا بإقامة حدود الله. وكل من يرى أن معنى السلام أن يتمتع المسلمون بأكبر قسط ممكن من المنافع والامتيازات ويسيروا جملة شؤونهم بكامل طمأنينة في ظل النظم الشيطانية دون أن تصيبهم مصيبة في نفوسهم أو أموالهم، فإنه لا يفهم مغزى الإسلام وحقيقة دعوته، وليعلم هو وأمثاله أحسن علم، أن الإسلام بريء من هذا النوع من السلام براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأنه لا يطلب الأمن الذي يقيمه غيره، وإنما يطلب الأمن الذي يقيمه هو نفسه، وهو الذي يرى فيه سعادة الإنسانية وفلاحها.