إن أمثال هؤلاء المسلمين لا بد لهم -على حسب قولك- من رفع لواء الجهاد، حتى ولو كانوا في إيران وتركيا، لأن هذين البلدين لا تنفذ فيهما الحدود والقوانين الإسلامية. ومعلوم أن السياسة العالمية في العصر الحاضر تقوم على اتجاهات معينة بحيث لا تستطيع جماعة من المسلمين إزاءها أن تتعاون وتتعامل مع غير المسلمين بطرق غير معروفة، لأن استدلالك المذكور سيكون عقبة دون قيام أي نوع من التعاون والتعامل. وأقول إن الجماعة الإسلامية إذا كان من حقها أن تقوم بنشر أفكارها وعقائدها، فليكن هذا من حق غير المسلمين أيضًا ولا سيما إذا كانوا حكامًا. وهل المعاهدات التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب في المدينة المنورة للتعامل معهم، كانت مبنية على مثل هذه الشروط؟ وخاصة أن المراحل الابتدائية للحياة المكية لا يؤيدك في استدلالك، وبكلمة أخرى فإن وجود جماعة كهذا يكون تحديًا سافرًا لكل حكومة غير مسلمة، ولا بد أن تمسك السيف بيدها للقضاء على قوانينها وقلب نظامها كلما وجدت إلى القوة سبيلًا .. فمن ذا ترونه يصبر على وجودها"؟"
جواب المؤلف
انتهى كلام المعترض ومن الممكن أن نرد على هذا الاعتراض بكلمة مختصرة، إلا أن هذا الاعتراض في حقيقة أمره مستند إلى ركام عظيم من الأوهام (والأغاليط) ، وقد انتشرت هذه الأوهام (والأغاليط) في الأمة بكثرة كاثرة حتى يكاد المسلمون لأجلها أن يكونوا قاصرين عن إدراك ما لديهم من المقتضيات الأساسية والمطالب الجوهرية، فاللازم أن نبحث في هذا الموضوع بشيء من التفصيل:
أما بأي معنى يدعو الإسلام إلى السلم ويدافع عن الأمن، وما هو المراد بقوله تعالى:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وهل كان سيدنا يوسف عليه السلام جاء للقيام بأعباء منصب النبوة أو للبحث عن مكسب للرزق، فكل هذه أمور لا بأس أن نؤخر الكلام عليها. إلا أن السؤال الذي يجب حله قبل كل شيء آخر، هو: ما هي رسالة الإسلام الأساسية في هذه الدنيا؟ وهل قد جاء لتدريب الناس وتربيتهم على أن يكونوا مطايا ذلولة للطغاة والجبابرة، حتى إذا ما قام واحد منهم لفرض ألوهيته وتنفيذها في الأرض وجد في أتباع الإسلام خدمًا طائعين له؟ وهل الإسلام قطع العهد مع دول الأرض وحكوماتها أن يهيء لها رعايا محبين للأمن والسلام فيكون لكل حكومة منها، من أي نوع كان نظامها، أن تنال من (مصنع الإسلام) أجزاء من كل نوع لتسيير دفتها وإدارة شؤونها؟ وهل أن مهمته مقتصرة على أن ينشئ الناس على عدد من العقائد الروحية والمبادئ الأخلاقية وذلك ليولد فيهم من اللين والمرونة ما يستطيعون معه أن يتضامنوا مع كل نظام للمدنية بدون تعب ولا مشقة؟ والأمر إن كان كذلك، فما الإسلام بشيء يختلف عن الديانة البوذية والمسيحية المدونة على يد (القديس بولس) اختلافًا كبيرًا، ومن المتعذر علينا أن نعرف بعد ذلك: لماذا وردت كلمة خطيرة مثل"وقاتلوهم"في كتاب دين كهذا؟ بل كان من واجبه إذن أن يقول لأعدائه:
"ما لكم تضطهدوننا، نحن المساكين الوادعين؟ لا نريد انقلابًا في نظام الحكم ولا نحمل دعوة إلى تغيير نظام المدنية وإصلاحه، وإنما مذهبنا وديننا وإيماننا هو أن نعيش عيشة آمنة مطمئنة تحت ظل الحكم القائم في يد أي شخص أو جماعة أيًا كان نظامه وسلطاته. فما لكم إذن تضمرون لنا الحقد وتضيقون بنا ذراعًا؟ أما عقيدتنا الدينية ونظامنا للعبادة، ففيما يضركم؟ وأية مؤسسة من مؤسساتكم المدنية أو أية مصلحة من مصالحكم الاقتصادية تتأثر بسوء من جراء عقيدتنا أو نظامنا للعبادة؟".