مما كتبنا في تفهيم القرآن (تفسيرنا للقرآن الحكيم) تفسيرًا لقوله تعالى:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ" (البقرة: 193) .
"ليس المراد بذلك انتهاءهم عن كفرهم وشركهم. وإنما هو انتهاؤهم عن الفتنة، إذ من حق الكافر والمشرك والملحد أن يعتقد بما شاء ويعبد من شاء أو لا يعبد أحدًا أصلًا، ولإخراجه من هذا الضلال نبذل له النصح والتوجيه، ولكن لا نحاربه، إلا أنه ليس من حقه أن يطبق في أرض الله قوانينه الباطلة بدلًا من قانون الله، ويجعل عباد الله عبادًا لأحد غير الله، لأن هذي هي الفتنة تستأصل بقوة السيف ولن يدخل سيف المؤمن في غمده ما لم ينته الكفار عن سلوكهم هذا."
وقد اعترض على العبارة التي بالخط الأسود من هذا التفسير أحد أصحاب العلم وكتب إلينا ما يلي:
1 -معنى ذلك أن الإسلام، وهو دين يدعو إلى السلم ويدافع عن الأمن، يبيح لأتباعه أن يتدخلوا في أديان غيرهم ويحاربوهم بناء على هذا، مع أن هذا الأمر مخالف لقوله تعالى:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".
2 -مما يدل عليه قوله تعالى:"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"هو أن المخالفين أيضًا لهم الحرية في البقاء على أديانهم وعقائدهم، وكل من كان حرًا في عقائده، يجب أن يكون حرًا في نشرها والدعوة إليها، لأنه لا يعتقد الحق إلا في هذه العقائد. وهذه الحرية هي التي يدل عليها المفهوم القرآني، بل فيه الدلالة حتى على مشروعية المجادلات والمناقشات بين المسلمين وغيرهم، ففي ذلك قوله تعالى مثلًا:"وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، ومن المعلوم أن معابد الأديان غير الإسلامية وطرقها للعبادة ظلت على منجاة من التدخل الإسلامي، حتى لقد أذن لأهل الكتاب أن يمارسوا العبادة على طريقهم في المسجد النبوي، وقد توظف سيدنا يوسف عليه السلام لدى عزيز مصر، ودخل في حكومته كعضو عامل، مع أن عزيز مصر هذا كان مشركًا في عقيدته وعمله، غير أنه عليه السلام ظل يدعو الناس إلى الإسلام بصفته الفردية ملتزمًا جانب الأمن والسلام، كما هو ظاهر من قوله:"يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ". وذلك ما يجعل من حق غير المسلمين أيضًا أن ينشروا أفكارهم وعقائدهم ملتزمين جانب الأمن والسلام"."
3 -ونظرًا للعبارة التي بالخط الأسود لا يستطيع المسلمون في أية بقعة من العالم أن يتعايشوا مع غيرهم بالأمن والسلام، فما لغيرهم أن يتعاونوا ويتسامحوا معهم حتى في الشؤون المدنية والاجتماعية، ما دامت عقيدتهم السياسية الأساسية هي الحاجز الأكبر دون نشوء هذا التعاون والتسامح؟