ويقول:"فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" [1] .
فهذه هي نظرة القرآن في التاريخ أو تفسيره المعنوي للتاريخ ( Moral interfnstation of history) الذي يفسر أسباب الخلافات الدينية والخلافات المدنية بكل سهولة. وبهذه النظرة يتبين لنا بكل وضوح أن أنبياء الله ما جاءوا إلى مختلف أمم الأرض إلا ليرجعوا بها إلى منهاج الحياة الفطري الذي كانت قد عدلت عنه بغيًا وعدوانًا، ويقيموها على طريق الحق والعدالة الاجتماعية، ولكن ما زالت غائلة البغي، تلك الغائلة التي كانت السبب الحقيقي لضلال هذه الأمم، تميل بها بين حين وآخر عن جادة الحق، وتوجهها إلى الطريق المعوج. فالبقية الباقية من التصورات الصحيحة ومبادئ الأخلاق المستقيمة التي قد تشاهد اليوم في مختلف أمم الأرض، إن هي في حقيقتها إلا بقايا من تعاليم الأنبياء عليهم السلام، أبت إلا البقاء في أذهان هذه الأمم والذوبان في حياتها لحيويتها الذاتية.
ثم إن الدعوى التي يعرضها القرآن بعد هذا، هي أن الإسلام الذي يدعو إليه الناس ما هو إلا ذلك الدين الحقيقي الذي ما زال جميع الأنبياء السابقين يدعون إليه الأمم المنتشرة في مختلف بقاع الأرض منذ البداية، وأنه ما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برسالة جديدة لا عهد بها للبشرية منذ ذي قبل:"قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ [2] "، بل قد جاء بنفس تلك الرسالة التي جاء بها كل نبي إلى قومه في كل زمان:"إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ [3] "وأنه ما بقيت ناحية من نواحي الأرض كجزيرة العرب أو مصر أو إيران أو الهند أو الصين واليابان وأوربا وأميركا وأفريقية وما إليها، محرومة من الاستنارة بنور هذه الرسالة، حيث جاء إليهما رسل الله بكتبه ولا يستبعد أن يكونا بوذا وكرشن وراما وكونفوشيوس وزرداشت وماني وسقراط وفيثاغورث وغيرهم من هؤلاء الرسل، إلا أن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الرسل أنه قد ضاعت تعاليمهم الأصلية في مجاهل اختلاف الناس، ولا تزال تعاليمه عليه الصلاة والسلام محفوظة في صورتها الأصلية دون أن يداخلها شيء من تحريفات الناس.
(1) طه: 123 - 124.
(2) الأحقاف: 9.
(3) النساء: 163.