فهذا هو التعليم المشترك الذي جاء به إلى جميع الأمم قادتها الدينيون. ومما يبينه القرآن الحكيم: أن الناس ما كانوا جميعًا في أول أمرهم إلا أمة واحدة، أي كانوا على حالة إنسانية فطرية خالصة ( State of natuxe) ، وكان قد جاءهم من الله العلم بصراطه المستقيم [1] ، ثم ظهر فيهم الاختلاف لا لشيء إلا لأن بعضًا منهم حاولوا الخروج عن حدهم المشروع، والحصول على مرتبة أعلى من مرتبتهم الفطرية، وإقامة حقوق لأنفسهم أكثر من حقوقهم الفطرية. فهناك شرع الله سبحانه وتعالى يرسل إليهم رسله ليعطوهم العلم الصحيح بالحق ويقيموا بينهم العدالة الاجتماعية ( Social Tustice) . وتلك كانت رسالة جميع الأنبياء في الدنيا، فالذين تلقوها بالقبول، واتبعوا ما آتاهم نبيهم من العلم اتباعًا صحيحًا كاملًا، واهتدوا بهديهم، هم وحدهم على الحق. وليس غيرهم، كائنًا من كان، إلا على الباطل سواء أكان ممن أبوا اتباع الأنبياء أم ممن حرفوا تعاليمهم وبدلوها حسب أهوائهم وأغراضهم الشخصية. ففي ذلك يقول عز وجل:"وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا" [2] ويقول:"كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ" [3] "فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" [4] ويقول:"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ" [5] "لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" [6]
(1) مما يجب أن يلاحظ بصفة خاصة في هذا المقام أن من بيان القرآن الحكيم -على العكس من نظرية النشوء والارتقاء وفلسفة التاريخ الإنساني في هذا الزمان- أن النوع البشري ما بدأ حياته على وجه الأرض في ظلمة الجهل، بل بدأها في ما أعطاه الله نور العلم. فقد أكرم سبحانه وتعالى آدم -وهو أول إنسان على وجه الأرض- برسالته، وأعطاه بطريق الإلهام من العلم ما كان ضروريًا للإنسان لقضاء حياته في الأرض وفقًا لمرضاته وقانونه.
(2) يونس: 19.
(3) البقرة: 213 معنى كلمة"البغي"المستعملة في هذه الآية هو تعدي الحد المشروع وتجاوزه، فالذي يقرره القرآن أساسًا لكل ما يتورط فيه الناس من الضلال الاعتقادي والظلم الاجتماعي، هو أن بعضهم يحاولون تعدي حدودهم المشروعة الفطرية، فمنهم من يتخذ نفسه إلهًا لغيره ويأمرهم بعبادته، ومنهم من لا يتجرأ على اتخاذ نفسه إلهًا لغيره، ولكن يظهر بمظهر السادن أو الحاجب أو الخادم لصنم أو إله وهمي. ثم يفرض على الناس طاعته والاعتراف بسلطانه متوسلًا بهؤلاء الآلهة. ومنهم من ينصب نفسه حاكمًا دينيًا للناس ويزعم أنه يحتكر نجاتهم وفلاحهم. وهكذا ينجم في الدنيا قرن البرهمية والبابوية، ومنهم من يستغل غناءه المالي ورغدة عيشه ليجعل منهما وسيلة لاختيار عدة أنواع لسلب الناس أموالهم. وجملة القول إن"البغي"هو الذي يخرج الناس من حالتهم الفطرية ويغرس فيهم بذور الشقاق والخلاف من الوجهتين: الاعتقادية والاجتماعية.
(4) البقرة: 213.
(5) المراد بالميزان في هذه الآية ذلك النظام الاجتماعي المتكامل في الاعتدال والتوازن، الذي أرسله الله تعالى إلى الناس بواسطة الأنبياء في شريعته الغراء حتى يقيم بينهم العدل.
(6) الحديد: 25 ..