الصفحة 25 من 155

فعلى ذلك إن جاز أن يحكم بالحق والصدق على شيء فإنما يجوز أن يحكم بهما على ذلك الأصل المشترك الذي يوجد في جميع الأديان، لا على تلك الصور والهيئات التفصيلية المختلفة التي تقوم عليها هذه الأديان اليوم، لأن الحق إنما هو جنس بسيط -في اصطلاح المنطق- يستحيل الاختلاف بين أجزائه. فكما أنه من الممكن أن نطلق كلمة"اللون"بكل سهولة على الأبيض والأسود والأخضر والأحمر، كذلك ليس من الممكن أن نطلق كلمة"الحق"على مختلف الأحكام مثل أن الله واحد، وأن الإلهين اثنان، وأن الآلهة متعددة ..

أما أن الأديان كلها من أصل واحد وأن هناك حقيقة بعينها أعطيت لمختلف الأمم في مختلف الأزمان، فأمر جاء بيانه بكل صراحة في غير واحدة من آيات القرآن الحكيم: فقد قيل مثلًا:"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا" [1] وقيل:"وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ" [2] وقيل:"جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ" [3] وقيل:"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ" [4] أي ما كان مختلف الأنبياء والرسل يتلقون رسالة الصدق والحق إلا من ينبوع واحد بعينه وأنهم جميعًا ما كانت لهم إلا رسالة واحدة هي:"أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [5] وأنهم جميعًا ما كان يوحى إليهم إلا وحي واحد:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" [6] وأنه ما قال واحد منهم لقومه: إن الذي أعرضه عليكم وأدعوكم إليه هو من نتائج فكري وعقلي، بل قد ظلوا جميعًا يقولون لأقوامهم:"وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّاتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا" [7] . وأنا ما دعا واحد منهم قومه إلى عبادته وإنما دعاهم إلى عبادة الله ربه وربهم"مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ" [8] .

(1) النحل: 36.

(2) فاطر: 24.

(3) آل عمران: 184.

(4) الحديد: 25.

(5) النحل: 36.

(6) الأنبياء: 25.

(7) إبراهيم: 11 - 12.

(8) آل عمران: 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت