الصفحة 24 من 155

لا شك أن التسامح المشبوه قد يُتذرّع بإعلانه لبلوغ الأهداف السياسية لأن رجال السياسة في الغرب قد فصلوا الأخلاق عن السياسة، إلا أن الذي يدمع العين ويحرق القلب أسفًا هو فكرة أولئك (الباحثين العظام) الذين بدون أن يكلفوا العقل بالتأمل والفكر بالنشاط يعلنون مبدأ بحوثهم الدينية الذي يقول:"إن الأديان كلها على الحق". إننا كثيرًا ما نسمع هذه الجملة من ألسنة الذين يزعمون أنهم لا يتكلمون بكمة ولا يسلمون بها ما لم يزنوها بميزان العقل، إلا أنه من الحقيقة أن ميزان العقل يأبى أن يقيم لتحقيقهم الطريف هذا أي وزن، لأن الأديان التي يحكمون بكون جميعها على الحق، نرى بين أصولها ومبادئها من الفرق الهائل والبون الشاسع ما بين السماء والأرض أو الأسود والأبيض. يقول أحدهما بأن الإله واحد، ويقول الثاني بأن هناك إلهين اثنين، ويقول الثالث بأن هناك آلهة ثلاثة، ويقول الرابع بأن هناك عدة قوى هي كلها مشتركة في الألوهية، ويقول الخامس بأن ليس هناك شيء يُعرف بالإله، فهل من الممكن أن تكون هذه الأديان الخمسة كلها على الحق بصفة واحدة؟ يرتفع أحدها بالإنسان إلى مقام الألوهية، والثاني ينزل بالله إلى منزلة الإنسان، والثالث يجعل الإنسان عبدًا والله معبوده، والرابع لا تصور فيه أصلًا للعبد ولا للمعبود، فهل يجوز بحكم العقل أن تجتمع هذه الأديان كلها ولا يكون بينها من فرق باعتبار صدقها؟ يجعل أحدها مدار النجاة على العمل وحده، والثاني على العقيدة وحدها، والثالث لا بد في رأيه للنجاة من العقيدة والعمل كليهما؟ فهل يمكن أن تكون هذه الأديان الثلاثة صحيحة في آن واحد؟ يختار أحدها طريق النجاة خارج الدنيا وحياتها، والثاني يشق طريق النجاة وسط مشاغل الحياة ومصاخبها، فهل من الممكن أن يكون كلاهما على الحق والصواب بدرجة واحدة؟ ولعمري إنه إذا كان من الجائز أن يعبر"بالعقل"عما يحكم على مثل هذه الأمور المتضاربة المتنافية بالصدق والصحة والصواب، فالواجب أن يعبر عما يحكم باستحالة الاجتماع بين الأضداد بكلمة أخرى غير كلمة"العقل".

نعم، هناك تصورات مشتركة في مختلف الديانات، ولكن من دواعي الأسف أن الذين لا ينظرون من الأشياء إلا قشورها، لا يريدون أصلًا أن يعرفوا حقيقة هذه التصورات المشتركة، وإنما يرتبون المقدمات ترتيبًا فاسدًا ويستنتجون منها نتائج خاطئة مع أن هذا الاشتراك يرشدنا إلى حقيقة مهمة، وهي أن جميع هذه الأديان متفرعة من أصل واحد، وأن هذه التصورات والتعاليم ليس لها إلا مبدأ بعينه، وأن هناك وسيلة للعلم بعينها هي التي قد أعلمت الإنسان في مختلف الأوطان والأزمان والألسنة بهذه الحقائق المشتركة، وأن هناك بصيرة بعينها حصلت للناس جميعًا على كل ما كان بينهم من بعد المشرقين وفترة المئات والآلاف من السنين، فهم بهذه البصيرة لم ينتبهوا إلا إلى نتائج متقاربة من نواع واحد، ولكن لما تباعدت الأديان عن أصلها، تسربت إليها تصورات خارجة ومعتقدات أجنبية، وإن هذه الأمور البعدية لم تكن مأخوذة من ذلك المبدأ المشترك وتلك البصيرة المشتركة، بل وضعها الناس الذين تضاربت طبائعهم وتباينت ميولهم وتنوّعت مستويات علمهم وعقلهم. ولأجل ذلك فإن الأبنية التي أسسوها على هذه الأسس المشتركة أصبحت مختلفة فيما بينها كل الاختلاف باعتبار صورها وهيئاتها وأشكالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت