إن التسامح الحقيقي المحمود هو ما قد جاء به الإسلام ودعانا إليه حيث يقول سبحانه وتعالى:"وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [1] ويقول مثنيًا على أهل الإيمان:"وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [2] وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا" [3] . ويقول:"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [4] ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ [5] ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [6] "ويقول:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [7] "ويقول:"وَيَدْرَؤُونَ -أي المؤمنون- بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [8] ". ويقول:"فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [9] "ويقول:"ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [10] ".
نعم إن هذا هو التسامح الذي يمكن أن يتبعه رجل سليم الفطرة يحب الصدق ويناصر الحق. إنه يعضّ بالنواجذ على عقيدته التي رآها صحيحة بصدق وإخلاص وإيمان، ويصدع بها ويدعو إليها الناس بكل جرأة وحماسة ولكن بدون أن يؤلم غيره ويجرح قلبه أو يشاتمه ويلاعنه أو يتحامل على عقائده أو يحول بينه وبين مزاولته طقوس دينه ومراسمه أو يكرهه على اعتناق دينه قبل أن يقنعه على صحته. وأما ألا يقال للحق أنه حق، أو يقال للباطل أنه حق مع علمه بكونه باطلًا، فأمر لا يمكن أن يصدر أبدًا عن رجل صادق جريء. وهو من أقذر أنواع المجاملة، لا سيما إذا كان الإنسان لا يفعله إلا إرضاء للناس. وليست مثل هذه المجاملة بأمر شنيع مستقبح من الوجهة الخلقية فحسب، بل هو كذلك محاولة لا طائلة تحتها من الوجهة العملية أيضًا، إذ قلما ينجح الإنسان في غايته التي لأجلها يتذرع بتلك المجاملة ويرضى أن يتردى في هذه المكانة المنحطة، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم:"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" [11] .
(1) سورة الأنعام: 108.
(2) الزور هو الكذب والباطل، مما يعارض الحق وينافيه. فمعنى لا يشهدون الزور أنهم لا يزورون بقصد منهم أماكن تمارس فيها أعمال الشرك والكفر والظلم والفسق، أو يجهر فيها بآراء الإلحاد، أو يعبد فيها من دون الله أحد من بني آدم أو مخلوق آخر.
(3) الفرقان: 72.
(4) بالنسبة للحال.
(5) بالنسبة للمستقبل.
(6) الكافرون.
(7) البقرة: 256.
(8) القصص: 54 - 55.
(9) الشورى: 15.
(10) النحل: 125.
(11) البقرة: 120.