إذا كان لديك شيء واحد يقول عنه رجل إنه أبيض، والثاني إنه أسود، والثالث إنه أخضر، والرابع إنه أصفر، فليس من الممكن لك أن تصدقهم جميعًا. وكذلك إذا كان رجل يمدح فعلًا من الأفعال ويأمر به، والثاني يذمّه وينهى عنه، فمن المحال أن يكون كلا الرجلين صحيح الرأي صادق الحكم على ما بينهما من خلاف واضح بين، وإن كل من يصدق بمثل هذه الأقوال المتضاربة ويقول بصحة مثل هذه الأحكام المتعارضة جميعها، فهو إما يريد أن يسترضي الناس جميعهم، أو أنه يبدي رأيه في الأمور بدون أن يفكر فيها وبدون أن يجيل فيها النظر ويعيرها ما يقتضي الحكم عليها من الجد والاهتمام. ولا يمكن أن يخلوا أمره من إحدى هاتين الحالتين، وكلتاهما متنافية مع العقل والصدق الصريح ولا يليق بمن يحب العقل ويقيم للصدق وزنه أن يصدق عدة رجال في آرائهم المتعارضة لأي سبب من الأسباب.
قد يظن الناس أن تصديقهم لمختلف الأفراد في آرائهم وأفكارهم المتعارضة المتضاربة هو"التسامح"، مع أن الحقيقة أنه ليس بالتسامح، بل هو نوع من أشنع أنواع النفاق، لأن التسامح إنما معناه أن نتحمل عقائد غيرنا وأعمالهم على كونها باطلة في نظرنا، ولا نطعن فيهم بما يؤلمهم رعاية لعواطفهم على كونها باطلة في نظرنا، ولا نطعن فيهم بما يؤلمهم رعاية لعواطفهم وأحاسيسهم، ولا نلجأ إلى وسائل الجبر والإكراه لتصريفهم عن عقائدهم أو منعهم مما يقومون به من الأعمال. ومثل هذا التحمل وإعطاء الناس الحرية في العقيدة والعمل على هذا الوجه ما هو بفعل مستحسن فحسب، بل هو، مع ذلك أمر لا بد منه لإبقاء جو السلام وحسن التفاهم بين عدة جماعات مختلفة العقائد متباينة المبادئ. أما أن نكون على عقيدة واضحة المعالم والجوانب، ثم نأتي نصدق غيرنا في عقائدهم المتضاربة لمجرّد كسب رضاهم، أو نكون متبعين لمنهج خاص ودستور معين للحياة ثم نقول لدعاة المناهج والدساتير الأخرى أنكم جميعًا على الحق، فهذا هو النفاق الصريح الذي لا يمكن بأي وجه من الوجوه أن نعبر عنه بالتسامح، فليكن الفرق واضحًا بين السكوت القائم على المصلحة وبين الكذب عمدًا.