الصفحة 18 من 155

وإذا كان هناك جانب من جوانب فلسفة هيجل للتاريخ على شيء من الصحة، فليس إلا القول بأن كل ما حصل من ارتقاء في المدنية الإنسانية عبر التاريخ، حصل لأجل الحرب بين الأضداد أولًا ثم التصالح بينها بعده، إلا أن هيجل جاء يمزج هذه الفكرة الصحيحة بأفكار خاطئة كثيرة ويبني نظرية لا تقوم معظم أعمدتها إلا في الفضاء. إن قول هيجل بأن الله روح العالم، وقوله أن الله يتخذ الإنسان أداة لاستكمال ذاته، وأن تاريخ ارتقاء المدنية الإنسانية إنما هو تاريخ السفر الذي يقوم به الله إلى منتهى كماله، فما كل هذه إلا آراء سخيفة واهية ليس في السماء ولا في الأرض ما يثبت صحتها ثبوتًا يعتبره"الثبوت"بحق فيرتاح إليه القلب وتطمئن إليه النفس.

ثم إن قوله بأن الإنسان في مسرح التاريخ ليس إلا ممثلًا لا شعور له ولا اختيار ولا إرادة، وأن الله هو الذي يطرح الأفكار المتعارضة على بساط المسرح بوساطة الناس ويجعلهم يقتتلون أولًا ثم يعقد بينهم الصلح ويحدث فيهم صورًا جديدة للفكر والخيال، فهذا أيضًا قياس فاسد لا أساس له من الصحة ولا تؤيده حقيقة علمية.

فهذه هي أخطاء هيجل الأساسية قد جعلت فلسفته للتاريخ لغزًا من الألغاز. ثم إننا إذا تأملنا في نظريته للجدال التاريخي، وإن كنا نلمح فيها بعض جوانب الصحة والصدق، إلا أن عنصر القياس والتخمين فيها يغلب على عنصر الاستشهاد بأحداث التاريخ. ولم يحد هيجل عن جادة الصواب في قوله: ما زالت الحرب قائمة بين الأفكار المتضادة على مر التاريخ، وما زال الصلح يحصل بينها بعد الحرب فيحولها إلى جزء من أجزاء المزيج الحضاري، إلا أنه ما كرس نفسه كي يتعرف على حقيقة المسألة، ويعرف نوعية الأضداد التي تحصل بينها الحرب في الحقيقة، ودواعي انعقاد الصلح بينها آخر الأمر، والسبب في أن المزيج الذي يأتي إلى الوجود نتيجة هذا الصلح يولد في حضنه عدوًا لنفسه بعد ذلك، فبدلًا من أن يدرس هيجل هذه العملية الجدلية دراسة وافية تحليلية، إنما ألقى عليها نظرة عابرة كما يلقي الطائر نظرة على المدينة في أثناء التحليق في جوها.

أما ماركس، فلم يكتب له هذا الحظ اليسير من عمق النظر وسعة الأفق الذي كتب لهيجل. إنه لا يحاول أصلًا أن يعرف ويفهم فطرة الإنسان وصنعه وتركيبه فهو -لذلك- إنما ينظر منه إلى الحيوان الخارجي الذي تمسه الحاجة إلى أسباب المعيشة، ولا ينظر أبدًا إلى الإنسان الداخلي الذي يعيش داخل (كبسول) هذا الحيوان الخارجي، والذي ليس الحيوان الخارجي إلا أداة من أدواته، والذي تختلف مقتضيات طبيعته عن مقتضيات طبيعة الحيوان الخارجي، إن قصور نظر ماركس وضآلة فهمه جعلت كل نظرياته الاجتماعية باطلة كل البطلان، وأصبح يظن أن الإنسان الداخلي إنما هو تابع أو مستخدم بل عبد مذلل للحيوان الخارجي، وأن كل ما أوتيه من قوى العقل والاستدلال والتفكير والبحث والمشاهدة والاستنباط والتحقيق والاختراع إنما هو مقصور على خدمة الحيوان الخارجي وتحقيق شهواته ومطالبه وأغراضه، ولهذا فإن أقصى ما قام به الإنسان الداخلي حتى الآن أو يستطيع أن يقوم به في المستقبل، لا يعدو -على حسب قول ماركس- أن يكون وضعًا لمبادئ الأخلاق والقانون، واختراع تصورات للدين، وتقرير طريق للحياة وفقًا لأهواء الحيوان الخارجي، ما أضأل هذه الفكرة لحقيقة الإنسان! وما أبلد الأذهان التي ترتاح إليه وتقبله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت