الصفحة 19 من 155

إننا لا نشك في أن أحاسيس الحيوان الخارجي ومطالبه كثيرًا ما تؤثر في عزيمة الإنسان الداخلي، وأن هناك كثيرًا من الناس تغلب عليهم حيوانيتهم ولكن ما أخطأ فكرة ماركس القائلة بأن الإنسان الداخلي لا يملك أي نفوذ يقهر به الحيوان الخارجي، وما أخطأ دراسته لتاريخ الحضارة الإنسانية التي جعلته لا يرى الحضارة الإنسانية إلا عمل أولئك الذين كانت إنسانيتهم تتبع حيوانيتهم، مع أنه لو تأمل في صفحات التاريخ بعين متفتحة، لوجد أن كل ما هو ثمين وصالح وجدير بالتقدير والاحترام من عناصر المدنية الإنسانية إنما هو منحة من أولئك الذين جعلوا حيوانيتهم تتبع إنسانيتهم، وأثروا بشخصيتهم القاهرة في أغلبية ساحقة من أفراد البشر ضحايا الحيوانية فأفرغوا حياتهم في قوالب، مبادئ دائمة للحضارة والتهذيب والشرف والأخلاق والعدل والإنصاف.

ولو أن هيجل وماركس درسا القرآن، لما لقيا في فهم حقيقة الإنسان وإدراك القانون الأساسي لارتقاء المدنية الإنسانية من العثرات ما قد لقيا باللجوء إلى الظن والتمسك بأذيال التخمين، لأن ما قد يتقدم به القرآن من علم الإنسان وفلسفة التاريخ يحل بصورة صحيحة وبأسلوب مقنع جميع تلك المسائل التي قد ارتبك فيها هيجل وماركس وارتبك فيها أمثالهما من مفكري الغرب وفلاسفته.

وبموجب بيان القرآن ليس الإنسان عبارة عن مجرد الوجود الحيواني ( Biological) الذي هو محل الجوع والشهوة والطمع والخوف والغضب وما إليهما من الغرائز، وإنما (الإنسان) عبارة عن ذلك الوجود المعنوي الذي يعيش في داخل الغلاف الحيواني، وهو محل الأحكام الخلقية ولم يجعل -كالحيوانات الأخرى- مجرد عبد للغريزة ( Listinct) وإنما أوتي مواهب مختلفة من العقل والوعي وقوة اكتساب العلم والرأي والفكر، كما أُوتي نوع من الاستقلال الذاتي ( Autonomy) . إن الطبيعة لا توجهه كالحيوانات الأخرى في طريق معين تقليدي ولا تكفل له جميع حاجاته بنفسها، وإنما قد أعطاه الله قوة الكد والجهد وتركه في الدنيا لينال كل ما ينال بسعيه ويختار ما يختار من الاتجاه والطريق في حياته بسعيه واجتهاده ويكون في مقدوره أن يتابع سيره فيه إلى ما يشاء. فالروح الحائزة لهذا النوع من الاستقلال، المالكة لهذا الطراز من السعي، المنتخبة وجهة سعيها وخط سيرها، هي الإنسان في نظر القرآن.

أما الحيوان الخارجي، فقد منح للإنسان الداخلي ليستخدمه ويتخذه أداة له. وهذا الخادم إنما هو جاهل لا يعرف إلا الأهواء وشهوات النفس ومطالب الجسد ولا يستهدف إلا الحصول على رغائبه وتحقيق حاجاته، فهو بدلًا من أن يخدم الإنسان الداخلي، يريد أن يطغي عليه ويستخدمه ويكرهه على أن يصير مجرد آلة بيده لتحقيق مطالبه ورغباته الحيوانية بكل ما عنده من المواهب العقلية والقوى العلمية، ويجعل فكره يتركز في الحضيض بدلًا من أن يعلو إلى السماء، ويجعل صدره ضيقًا ويستنفد جهده ليجعله يعبد المحسوسات ويثير في نفسه العصبيات الجاهلية.

وعلى العكس من هذا فإن الإنسان الداخلي تقتضي فطرته أن يسخر لنفسه الحيوان الخارجي، وقد ألهمه الله علم الفجور والتقوى، وأعطاه الكفاءة للتمييز بين طرق الخير والشر (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) وجعل فيه حسًا خلقيًا يقتضيه من الداخل ألا يحقق حاجاته الحيوانية إلا بطريق يناسب إنسانيته، لا كما تحققها العجم. ولذا فإنه بنفسه يستحي أن يميل إلى الطرق البهيمية، ويترفع بنفسه عن المقاصد الحيوانية ويحرص دائمًا على أن يتحول كائنًا أعلى درجة وأفضل مكانة، ويوجد فيه -بحكم شعوره الفطري- الطلب لأن تقضي حياته لأسمى غاية وأنبل مقصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت