الصفحة 17 من 155

يتضح من ذلك أن أحدًا إذا رسخت في ذهنه هاتان الفكرتان، من المحال أن يكون أو يبقى مقتنعًا بتعليم قد مضى عليه غير واحد من القرون، أي التعليم الذي يرجع أصله إلى عصر من العصور الفائتة حسب عقيدته. ولا بد على هذا، أنك كلما ذكرت له إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله عليهم قال:"إنما كان كل واحد من هؤلاء وليد زمانه، ليقدم جوابًا لدعوى المدنية الرائجة في ذلك الزمان الذي تحول إلى جزء من أجزاء المزيج الحضاري ( Synthesis) بعد أن جاوز ما جاوز من فترة الصراع والأخذ والرد، وكم من جواب بعده تعاقب وفرض نفسه ثم تحول إلى مزيج حضاري كما أسلفنا. وإن المدنية الإنسانية ما زالت تجتاز بعده مراحل التقدم والرقى حتى بلغت الزمان الذي نعيش فيه، ولا نشك أننا نجل هؤلاء الأفراد ونعترف لهم بما يستحقون من الفضل والتقدير من حيث عملوا لتطوير المدنية الإنسانية وتنميتها في عهودهم، ولكن لا يصح البتة أن نرجع القهقري ونجابه دعوى المدنية الحاضرة بجواب قديم قد أكل عليه الدهر وشرب!"

إن أتباع ماركس يشاركون أتباع هيجل في هاتين الفكرتين، ومع هذا فقد استولت على أذهانهم فكرة ثالثة هي: أنهم لا يرون كل ما يوجد في عصر خاص من عصور التاريخ من الأفكار والتصورات الدينية والخلقية والقانونية إلا متولدًا من النظام الاقتصادي الرائج في ذلك العصر، ويقولون أن هذه التصورات والمبادئ والقوانين ما وضعت إلا لحماية وحفظ النظام الاقتصادي الرائج في ذلك الزمان. فالنتيجة المنطقية اللازمة لعقيدتهم هذه أنه كلما تغير أسلوب إنتاج وتوزيع أسباب المعيشة للإنسان، فلا بد أن يصاحبه التغير الشامل في كل شيء من الدين والأخلاق والقانون، لأنها ما كانت تساير إلا النظام الاقتصادي القديم ولا تصلح للانسجام مع روح النظام الجديد. فهل لأحد أن يدعي أن من كان يعتقد بنظرية ماركس، يستطيع أن يكون -في الوقت ذاته- مؤمنًا بتعليم ديني أو شريعة أو نظام خلقي يرجع إلى ما قبل القرون. وقد نشر أحد الشيوعيين مقالًا عنوانه:"أي شيء لا نجده في الشيوعية"؟ وحاول أن يثبت فيه أن لا تناقض هناك بين الشيوعية والإسلام. ولربما يكون هناك رجال آخرون من طرازه يقولون بصحة هذه الفكرة، فإني أطلب منهم أن يدرسوا أولًا تعبير ماركس المادي للتاريخ ونتائجه المنطقية ثم يتفكروا: أي مجال يبقى لمن اعترف بصحة هذه الفكرة لأن يقول بأنه مسلم؟ لا ريب أنه من حق كل شخص أن يختار ما يشاء من عقيدة، فهم إن كانوا يعتقدون بصحة نظرية ماركس، فلهم أن يختاروها، ولكن من الواجب عليهم مع ذلك أن يكونوا على بينة من الأمر وألا يساور أذهانهم أي نوع من التعقيد والارتباك، أما كونهم يزعمون عقيدة ثم يعتقدون في عقيدة تضادها في الوقت ذاته فهذا يدل على ارتباك في أذهانهم وهو أمر يدعو إلى الأسف ويبعث على الأسى.

لقد حاول كل من هيجل وماركس أن يبلغ الحقيقة ويكاشفها، ولكنهما فشلا في بلوغها فشلًا ذريعًا. إن كل واحد منهما لم يجد إلا جزءًا يسيرًا من الحقيقة فحاول أن يثبته كالحقيقة الكاملة. فانتهى به المطاف إلى أن وقع هو نفسه في هوة سحيقة من الخطأ، ونسج لغيره من الناس شبكة من الأخطاء والأغاليط يقعون فيها ويذهبون ضحيتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت