الصفحة 16 من 155

هذا هو تفسير ماركس المادي للتاريخ، وهو يعرف بالمادية التاريخية ( Historical materialism) أو المادية الجدلية ( Dialeetic materialism) فمسألة تهيئة وسائل المعيشة وتوزيعها هو المحور لارتقاء الحضارة الإنسانية وجميع ما يطرأ على التاريخ الإنساني من تغيرات وتقلبات. وفي نظر ماركس أن هذا المحور هو الذي تدور حوله رحى الحياة الإنسانية، وما القوة المحركة لهذا المحور إلا قوة الصراع الطبقي، وليست هناك -عنده- من مبادئ خالدة للدين والأخلاق والحضارة الإنسانية تطلق عليها صفة الدوام وتكون حقًا وصدقًا في حد ذاتها، وعلى العكس من هذا، يعتقد ماركس أن الإنسان يتبع أولًا طريقًا تقتضيه مصالحه الذاتية وتدعو إليه مطامعه الاقتصادية، ثم يختلق دينًا وفلسفة للأخلاق ونظامًا للأفكار والنظريات ليعمق بها هذا الطريق ويحكمه ويسيره بنجاح ويثبت للناس صحته. ومما يطابق الفطرة والعقل معًا -في نظر ماركس- أن طبقة من الناس إذا وجدت طريق آخر يحقق مصلحتها الاقتصادية، فلها أن ترفض نظامها الاقتصادي السابق، وترفض معه جميع ما يقوم عليه هذا النظام من التصورات الدينية والأخلاقية والقانونية والمدنية، وتخترع بدلًا منها عقائد ومبادئ جديدة أخرى تلتئم مع مصلحتها الاقتصادية، وفوق هذا يقول ماركس بأن الصراع للأغراض الذاتية المادية هو من عين ما تنشده الفطرة، وأن الطريق الوحيد لارتقاء التاريخ الإنساني أن تتنازع وتتصادم وتتكالب مختلف طبقات الناس في ما بينها لتحقيق أغراضها ومصالحها الذاتية المادية، لأن الإنسان ما قطع حتى الآن مرحلة من مراحل التاريخ إلا متخاصمًا متقاتلًا بعضه مع بعض. وأن ليس عليه الآن إلا أن يواصل قطع مراحل التاريخ بنفس المقاتلة والمصارعة، وأن إن كان هناك أساس للتوفيق بين مختلف أفراده فإنما هو تكتلهم لأجل الأغراض الاقتصادية البحتة، فكل من كانوا متكتلين على هذا الأساس لا بد لهم من أن يتحولوا إلى طبقة خاصة تشن الحرب على جميع ما يخالفها من الطبقات.

إننا لا نريد أن نتناول نظريات هيجل وماركس بالنقد التفصيلي، إنما الذي نريد بيانه هنا، هو أن هذه النظريات قد جعلت وجهات نظر أهل العلم في العصر الحاضر عن الدين والأخلاق والحضارة والاجتماع خاطئة من حيث الأساس والمبدأ، فإن الذين قد افتتنوا بفلسفة هيجل قد أشرب في قلوبهم أمران اثنان وهما:

1 -أن الحضارة بجملتها في كل عصر من عصور التاريخ وحدة. وأن كل ما يوجد في عصر من العصور من الأخلاق والقوانين والدين والعلم والفلسفة والفن والعلاقات الدولية، إنما هو في حقيقة الأمر مظاهر منوعة للطبيعة الاجتماعية أو الروح العالمية لذلك الزمان.

2 -أن أي مدنية من مدنيات الإنسان عندما تنضج وتتبلور وتبلغ ذروة كمالها، فإن طائفة جديدة من الميول والأفكار والنظريات والتصورات تبرز إلى الوجود من بطن تلك المدنية نفسها وتشرع في محاربة الأفكار والنظريات القديمة إلى أن تخرج إلى المسرح مدنية جديدة يبقى فيها كل ما في المدنية القديمة من العناصر الصالحة، وتحل محل العناصر غير الصالحة عناصر غالية من الأفكار والميول والنظريات الجديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت