أما كارل ماركس فقد استمد من نظرية هيجل الفلسفية فكرة العملية الجدلية وفصل عنها تصور الروح أو الفكرة، الأمر الذي كان جوهرًا لفلسفة هيجل، وجعل الأسباب المادية أو الدواعي الاقتصادية وحدها هي الأساس للتطور التاريخي. فقال: إن الأمر الذي له الأهمية الحقيقية في حياة الإنسان إنما هو الاقتصاد، وأن النظام الاقتصادي في كل عهد من عهود التاريخ هو الذي يرسم الصورة الكاملة للمدنية الإنسانية في ذلك العهد، فالقانون والأخلاق والدين والفلسفة والعلوم والفنون وبالجملة سائر الأفكار والتصورات الإنسانية ( Idealagies) لا تتشكل إلا بتأثير هذا النظام الاقتصادي، أو لتوجيه وإبقاء النظام الاقتصادي الذي يسود الحياة الاجتماعية في ذلك العهد. أما الوجه الذي تقوم عليه العملية الجدلية أثناء التاريخ عند ماركس، فهو أن أية طبقة من الناس عندما تحتكر إنتاج أسباب الحياة وتوفيرها وتوزيعها، وتجعل سائر الطبقات الأخرى مفتقرة إليها متسوّلة أمامها تحت نظام خاص للاقتصاد، يبدأ القلق والاضطراب يرفع رأسه بين الطبقات المستضعفة ويجعلها أخيرًا تطالب بنظام جديد للإنتاج الاقتصادي ( Production) ، وتوزيع لأسباب الحياة والعلاقات الملكية يكون أكثر ملاءمة لمصالحها، ويكون ذلك -بكلمات أخرى- جواب لدعوى النظام القديم أو عدوّه الذي ينشأ وينمو في حضنه، فهنا يبدأ الصراع بينهما، والمجموعة الكاملة من قوانين النظام الحاضر ودينه وأخلاقه ونظرياته لا تؤيد في هذا الصراع والصدام إلا النظام القائم في هذا العهد من ذي قبل، بينما القوى الجديدة الناشئة ضده، التي لا تقوم إلا لأجل المطالبة بتغيير النظام الاقتصادي وأسسه تجد نفسها مضطرة إلى أن تضرب بهذه المجموعة القديمة للتصورات القانونية والدينية والاجتماعية عرض الحائط، وتضع بدلًا منها مجموعة أخرى تنسجم مع نظامها الاقتصادي المنشود. فهذا الصراع الطبقي ( Class Struggle) يبقى قائمًا على قدم وساق مدة من الزمان إلى أن يزول النظام الاقتصادي نتيجة له آخر الأمر، وبزواله تغادر التصورات القانونية والدينية والأخلاقية والفلسفية القديمة مكانها لتحل محلها التصورات الجديدة شاءت أم لم تشأ.