الصفحة 14 من 155

فالعملية الجدلية بموجب نظرية هيجل عملية اجتماعية كلية وبعبارة أخرى: إن الحضارة الإنسانية بكل شعبها وفروعها في كل عصر من عصور التاريخ بمثابة جسد حي أو كائن واحد، وأن ليس الأفراد أو الطوائف إلا بمثابة أعضاء أو أجزاء لهذا الجسد، فعلى هذا لا يمكن لفرد من الأفراد ولا لطائفة من الطوائف أن تتحرر من طبيعة عصرها الجماعية أو من الروح العامة لمدنية عصرها وحضارته. فكل إنسان مهما كان كبيرًا، ومن ألمع الشخصيات التاريخية وأبرزها، ليس في هذه اللعبة الجدلية أو الصراع الكلي الداخلي إلا بمثابة قطعة من قطع البيدق في لعبة الشطرنج، ففي خلال الفيضان الجارف المتفجر من نهر التاريخ الإنساني تعلو"الفكرة المجردة"وتسير على شارع الحياة البشرية في أبهة كأبهة الملوك دون منازع أو مصادم، تعرض الدعوى أولًا ثم تعرض جوابها ثم تعقد بينهما الصلح بالمزج بينهما. ومن أعاجيب العقل الكلي أو الروح العالمية أنه يغرّر بالأفراد ويوهمهم بأنهم في هذه المسرحية يلعبون دورًا هامًا؛ دور الأبطال المبارزين، دور الرواد والموجهين مع أن العقل العالمي هو الذي يستعملهم لإكمال ذاته في حقيقة الأمر [1] .

(1) إن ذات الله هي التي يعبر عنها هيجل بالعقل الكلي ( World Reasan) أو الروح العالمية ( World Spirit) أو الروح المطلقة ( Absalute Spirit) أو الفكرة المطلقة ( Absalute Idea) وما إليها من الكلمات الأخرى في حقيقة الأمر فعنده أن الروح العالمية أي الذات الإلهية هي التي ترتقي بصورة ارتقاء المدنية أو الحضارة الإنسانية، وأن الله هو الذي يظهر نفسه بنفسه وراء هذا الحجاب ويكدح ويكد لتنمية ذاته، ويقوم بالمناورة على شارع التاريخ. وأما الإنسان، فالمسكين إنما يستخدم كمظهر خارجي أو أداة للتنفيذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت