وما زلت أذكر أحد أولئك الإخوة الأفاضل، يوم أن جلست إليه وهو يذرف الدموع ويبكي حزنًا على أحوال أبنائه، وأتذكره جيدًا وهو يدعو على الحكومة الفاسدة والمجتمع المنحرف، ويتحسر على انفلات الأمور من يديه بعد أن شب الأبناء على تلك الألفاظ والعادات.. وما عادوا يستمعون لإرشاداته أو يكترثون بتوجيهاته..
وأذكر أنني قلت له يومها فيما قلت: إن مصيبتنا أن هذه المدارس أشربتها قلوب، وأصبح أمرنا معها كأمر العوام، لا نستطيع التفريط بها أو التضحية بشهاداتها وبهجرها في سبيل حفظ ديننا ودين أبنائنا.. والحق يقال، إن أكثرنا أصبح أمر هذه المدارس ونجاح أبنائه فيها أهم عنده من أمر دين اللَّه وسلوك صراطه المستقيم.. وإنني لأعجب أين غيرتنا على ديننا ودين أبنائنا كيف نقذف بهم في أيدي أولياء الشيطان ومن ثم نأتي ونتباكى بعد فوات الأوان ونعض أصابع الندم على انحراف ذرياتنا.. بل أين منا غيرة أبي سلمان الفارسي، ذلك المجوسي الذي كان يغار على دينه الباطل، حتى قام بربط ابنه بالسلاسل في بيته مخافة أن يبدل دينه بالنصرانية.. وواللَّه إنني لأعرف من يفعل مثل ذلك بأولاده على أمور هي أتفه وأحقر بكثير من أن تقارن بأمر الدين..
وقلت له أيضًا: حقًا إن الحكومات فاسدة مُفسده لا يهمها أمر الدين وأهله بل هي في زماننا حرب على الدين ومن ألد أعدائه.. لذا فهي حقًا سبب عظيم من أسباب فساد المجتمع.. ولكن المسؤول الأول عن مصائب الأبناء هو نحن الآباء.. إذ ألقينا بأبنائنا وأسلمناهم لمدارسهم المنحرفة فساهمنا بذلك في إفسادهم من حيث لا نشعر، وما ذلك إلا بسبب تهاوننا بفسادها وانحرافاتها، وكان أهون علينا أن نلقي بهم بين براثن وحوش كاسرة فتمزق أبدانهم وأحسادهم ويموتون على إسلامهم، من أن يمزق الطواغيت بمنهاجهم ومدارسهم هذه؛ عقيدتهم ويدمرون أخلاقهم وولاءهم للدين وأهله