لم يبق موضع في جسمي إلا وفيه اثر عذاب وموضع جراح!! ولم تبق ذرة في نفسي إلا وفيها جرح عميق ينزف ألما وحسرة. .!! هل كل ما يحدث هنا في السجن الحربي يخرج من بشر. . من إنسان! غير معقول أن هؤلاء المخلوقات بشر. .!! إنهم مخلوقات تسمع وترى وتنطق وتمشى على رجلين، ولها ذراعان وهيكل بشرى. .!! لا. . لا. . إنها مخلوقات غريبة. . من تركيبة عجيبة. .!!. . وأخرجوني من الماء إلى الزنزانة المجاورة. . وحياني صفوت بعدة ضربات ملتهبة بسوطه المجنون. . وقال وهو يضربني: إن ما سيحصل لك اليوم لم يحصل لكلب أجرب في طاحونة!! وأغلق باب الزنزانة ثم انصرف. . وما مروري إلا دقائق قليلة حتى فتح باب الزنزانة مرة أخرى وامتلأت بحمزة البسيوني وصفوت وجندبين آخرين!!. . وانطلقت القذارة من فم حمزة البسيوني بأبشع ما يمكن أن يتخيله إنسان. . سب فاضح صارخ وقال:"يا بنت الـ. .. أنقذي نفسك وقولي كل شيء. اعترف الهضيبي، واعترف سيد قطب، واعترف عبد الفتاح إسماعيل، ووضعنا أصابعنا على كل شيء من واقع اعترافاتهم. . عرفنا منهم أن الهضيبي أمرك أن تقولي لعبد الفتاح إسماعيل بأن دم عبد الناصر مباح لأنه كافر. . كل واحد منهم تكلم، وأنقذ نفسه وأنت ضيعت نفسك. . . ثم قال مهددا والشرر يتطاير من عينيه: ستعرفين كيف أنتزع منك كل ما نريده. . ستتكلمين أم لا؟."
ثم التفت إلى صفوت وقال: نفذ الأوامر يا صفوت. . . . ومن يعص الأمر من أولاد الكلب - مشيرا إلى الجنديين حوله إلى المكتب فورا. . وتولى صفوت إفهام الجنديين مهمتهما البشعة بأسلوب داعر صارخ الفجور، بعيد كل البعد عن الحياء. . مغمور في الانحطاط إلى أبعد ما يكون. . فقال لأحدهما في مجون: نفذ التعليمات - يا ابن الكلب - بعد إغلاق الزنزانة، وبعد أن يتم التنفيذ، ادع زميلك ليقوم بدوره كذلك. . مفهوم؟!! ثم أغلق الزنزانة وانصرف. .
جلس الرجل يتوسل إلى أن أقول ما يريدون لأنه لا يريد أن يؤذيني، ومن جهة أخرى فإن عدم التنفيذ يلحق به ضررا بليغا وايذاءً جسيما. . قلت له بكل ما أوتيت من قوة: إياك أن تقترب منى خطوة واحدة. . إذا اقتربت، سأقتلك. . سأقتلك. . سأقتلك، فاهم!!.
كنت أرى الرجل ينكمش ويتقاعس غير أنه أخذ يقترب في خطوات، ولم أدر إلا ويداي حول رقبته، وأنا أصرخ بكل صوتي:"بسم الله، الله أكبر. . وغرزت أسناني في عنقه، وإذا به ينفلت من بين يدي، ويسقط تحت قدمي خائرا، يخرج من فمه زبد أبيض كرغاوى الصابون. . سقط الوحش تحت قدمي، جثة هامدة لا تنبض إلا بهذا الزبد الأبيض. . أنا التي تتربع على قمة الألم، والتي مزقتها الجراح التي حفرتها السياط في كل موضع من جسمها! أنا التي غلفها الإعياء من كل الزوايا .. تصرع هذا الوحش الذي أمروه بأن يفترسني!!"
لقد بث فيّ الله - جلت قدرته - قوة غريبة صرعت هذا الوحش!!
وكانت معركة شر! ضارية انتصرت فيها الفضيلة على شراسة الرذيلة. .
كان هذا علامة صدق، وبشرى للمخلصين. . فالحمد لله ولا إله إلا الله. . إن الطغاة يخافون ويهزمون، وأصحاب الرسالات خلف القضبان مجردون من كل شئ إلا من الإيمان بالله تعالى. . غير أن ثبات المؤمنين على الحق هو دائما شئ لا يستطيع المنهزمون في أنفسهم وضمائرهم بتقاعسهم عن الإيمان أن يفعلوه. يا إلهي ما أكرمك وما أوسع عطاءك. . أنت ربنا ورب كل شئ. . فهؤلاء الذين يأخذون بأمر الله يحاربون. . ويقاومون. . ولكن العاقبة دائما للمتقين. . وفتحت الزنزانة ودخل رأس الزبانية حمزة البسيوني، والجلاد صفوت وجند آخرون، ووقع نظرهم على هذا الوحش الممدد على الأرض، والرغاء الأبيض يخرج من فمه. .