ولا أدرى كيف أخذني النوم وأنا أذكر الله، وكان في هذا النوم خير وفضل وعطاء، كان فيه رؤيا مباركة هي إحدى رؤاي الأربع لحضرة النبي عليه الصلاة والسلام في محنتي:
"رأيت بحمد الله صحراء مترامية وإبلًا عليها هوادج كأنها صنعت من النور، وفى كل هودج أربعة من الرجال كأنهم أيضا وجوه نورانية، رأيتني خلف هذا السيل من الإبل في هذه الصحراء المترامية التي لا يحدها البصر، أقف خلف رجل عظيم مهيب وهو يأخذ بخطام امتد في أعناق هذا السيل الجارف من الإبل التي لا يحصى عددها. أخذت أردد في سرى: أتكون حضرة محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا به يجيبني:"أنت يا زينب على قدم محمد عبد الله ورسوله". سألت:"أنا يا سيدي يا رسول الله على قدم محمد عبد الله ورسوله؟"."
قال عليه الصلاة والسلام:"أنتم يا زينب على الحق، أنتم يا زينب على الحق، أنتم يا زينب على قدم محمد عبد الله ورسوله". وقمت من النوم وكأنني ملكت الوجود بهذه الرؤيا، وأدهشني - بعد ما نسيت ما أنا فيه وأين أنا - أنى لا أجد ألم السياط ولا الصلبان القريبة من النافذة، فقد نقلت إلى مكان بعيد وأصبحت الأصوات تأتيني عن بعد.
ثاني ما أدهشني أن اسمي في شهادة الميلاد زينب غزالي واسم الشهرة المعروف لدى الناس"زينب الغزالي"والرسول عليه الصلاة والسلام يناديني بأسمى في شهادة الميلاد وفعلا نقلتني الرؤيا عن الزمان والمكان فتيممت، وأخذت أصلى ركعات شكرا لله على هذا العطاء. وفى إحدى سجداتي وجدتني أقول:"ربى بم أشكرك؟ إني لا أجد ما أشكرك به إلا أن أجدد بيعتي لك. اللهم إني أبايعك على الشهادة في سبيلك. اللهم أنا أبايعك على ألا يعذب أحد بسببي. اللهم ثبتني على الحق الذي يرضيك وأوقفني في دائرة الحق الذي يرضيك!"وانتهيت من صلاتي، وأخذت أكرر ما دعوت به في سجودي وكأنني أعيش في عالم غير الذي أنا فيه وأحسست براحة وسكينة واطمئنان قلب. .
وسمعت ضجة شديدة في الخارج وأصوات عربات كثيرة تتزاحم إلى الداخل وأخرى خارجة من الجحيم، عرفت فيما بعد أن هذا الوقت انتهاء وردية من الزبانية وبدء ورديه أخرى للتعذيب. . وسمعت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر فرددت الأذان ثم تيممت وصليت. .
أمضيت على هذه الحال ستة أيام على التوالي من مساء الجمعة 20 أغسطس إلى الخميس 26 أغسطس لا يفتح باب الزنزانة فلا أكل ولا شرب ولا دورة مياه ولا صلة بالخارج، غير تلصص هذا الشيطان الذي يضع عينه على فتحة باب الزنزانة الصغيرة بين الحين والحين. ولك أن تتصور أيها القارئ العزيز كيف تستطيع أن تعيش هكذا، وإذا استطعت أن تعيش بلا طعام ولا ماء كيف يستغني الإنسان عن قضاء حاجته الضرورية؟ كيف يعيش الإنسان بغير أن يذهب إلى دورة المياه ولو مرة واحدة في اليوم؟. ولا تنس أننا كنا في شهر أغسطس! فهل تجيز اليهودية أو الوثنية ذلك! فما بالك بالذين يدعون أنهم مسلمون. . وهل يفعل ذلك أي كائن ينتمي للجنس ا لبشرى؟!
يا الله! لكم جنى الطغاة المستبدون على كرامة الإنسان، وتحللوا من كل دين وخلق، ولكن اليقين بالله واعتقاد الحق، وأن يرى الإنسان ربه ويعايش أمره كل ذلك قد يصنع شيئا كبيرا فوق طاقة البشر. فلا تدهش أيها القارئ: لأنني استطعت أن أعيش هذه الأيام بغير ماء، أو طعام، أو قضاء ضرورة، أو صلة بإنسان. اللهم إلا هذه الطرقات من الشيطان الأسود الذي ربما فتح الباب يسأل في غلظة ووحشية: يا بنت الـ. . أنت لسة عايشة؟!. ..
نعم أيها القارئ لقد عشت هذه الأيام بأمرين. .