الصفحة 31 من 45

خاتمَة في تربيَة الأولاد

وتَأديبهمْ بالأخْلاق الحميدَة

وبعد ..

فإنّ للمسجد -إذا أُسِّس على التقوى، وأقيم على السنّة- دوره العظيم في تربية الأجيال ... وما فسد مَن فسد مِن أبناء المسلمين إلا بابتعادهم عن المساجد، وتسكّعهم في الشوارع والأسواق .. وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة: «أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا» ...

فإذا أُخرج الأولاد مِن أحب الأماكن إلى الله عز وجل، فإلى أين يذهبون!!؟ ليس لهم في هذه المجتمعات الجاهلية إلا رفقاء السوء في الشوارع والطرقات .. أو هذه التلفزيونات التي دخلت كل بيت مِن بيوت المسلمين -إلا مَن رحم الله وقليل ما هم- وتعمل ليل نهار على إفساد بناتنا وأبنائنا ببرامجها الفاسدة الساقطة ..

والله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ، وصحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... » متفق عليه.

لذلك فقد أمر صلى الله عليه وسلم الآباء بتعليم أبنائهم الصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر ...

فأين الآباء في هذا الزمان مِن هذه الإرشادات النبوية الكريمة .. هل نجد في ديارنا في هذا الزمان مَن يعلم أبناءه الصلاة في السابعة مِن عمره؟! أو يضربهم عليها في العاشرة ... كما يضربهم على التقصير في تعليمهم الدنيوي، وعلى أمور أحقر مِن ذلك بكثير؟؟!

والله إنّهم لقليل، قليل جدًا .. فإلى الله المشتكى .. لقد بلغ الجهل والتساهل -في أمور الدين- مِن كثير مِن الآباء مَبْلَغًا ليس له نظير .. حتى شغلوا بالتفكير بمستقبل أبنائهم الدنيوي .. القصير .. عن التفكير بالمستقبل الحقيقي .. الخلود في الجنة أو في السعير، فهجروا هم بأنفسهم أوامر الله سبحانه .. وهجروا بيوته عز وجل .. وعُمَّارها منهم .. يغلب عليهم الجهل في أمور دينهم، فلا يهتمون بأولادهم، ولا يكترث أحدهم أَدَخلوا المسجد أم لا .. بل تجد منهم مَن يحارب إدخالهم للمساجد .. بزعمهم أنّ المسجد ليس بروضة أو حضانة ..

ومثل هذا الاعتقاد -الذي بيّنا أنّه إهانة للمسجد وطمس لرسالته العظيمة، والذي يظنّ أصحابه أنّه تكريم للمسجد وتطهير وتشريف- هو والله سبب مِن أسباب فساد الأبناء وانحرافهم ...

فقد كان المسجد في زمن خير القرون حضانة .. وروضة .. ومدرسة .. وجامعة .. وكلية حربية [1] .. ومحلًا لأداء الشعائر التعبدية .. وشتّان بينه وبين مدارسنا وجامعاتنا وكلياتنا هذه التي تؤسس على معصية الله عز وجل وغضبه .. وشتّان شتّان بين أولئك الرجال الذين كانت تخرّجهم مساجد خير القرون .. وبين أشباه الرجال الذين تخرجهم الجامعات والكليات والمدارس .. في هذا الزمان ..

حتى كان كثير من صبيانهم الصغار أعقل وأورع وأتقى وأفقه مِن كثير مِن أولئك الذين يتخرجون بالآلاف مِن هذه الجامعات والمدارس والكليات ... فكان الصبي يؤم القوم وهو في السادسة مِن عمره .. كما جاء في حديث عمرو بن سلمة قال: «كُنّا بحاضر يمرّ بنا إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا رجعوا مرّوا بنا فأخبرونا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، وكنت غلامًا حافظًا فحفظت مِن ذلك قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر مِن قومه، فعلّمه الصلاة فقال: «يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» ، فكنت أقرأهم لِما كنت أحفظ، فقدّموني وكنت أؤمهم وعليّ بردة صغيرة

(1) تعمدت وصف المسجد بمثل هذه الأوصاف العصرية، لأنّنا كثيرًا ما نسمعها في المساجد على سبيل الإنكار مِن أناس ما فقهوا رسالة المسجد ويريدون منع الصبيان مِن دخوله بحجة أنّه ليس بروضة أو حضانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت