الصفحة 9 من 152

أول البناء وأصله، إذ الأس والأساس هو أصل البناء، فالصفة المعتبرة هنا هي حال مؤسّسيه لا مجدّديه أو موسّعيه أو مرمميه أو مشيّديه بعد خراب ..

وهذه الصفة (أن يؤسسه أو يأمر بتأسيسه كافر) هي أبرز صفة من صفات مسجد الضرار وأظهر سمة فيه، إذ هي المؤثرة فيما ذكر قبلها وبعدها من الصفات، فالإرصاد لمن حارب الله ورسوله، تبع لها لأنه إنما يكون من الكفار سواء منهم الظاهرين أو المستترين (المنافقين) ، وكذا الإضرار والتفريق بين المؤمنين يتنوع ويتفاوت وأشده ما كان في أبواب الكفر أو الشرك والتوحيد ..

-ثالثًا: أن يبنى بنية التفريق بين المؤمنين وإيقاع الشقاق بين الموحدين، قال تعالى: (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) وذلك لأن السعي في التفريق بين المؤمنين وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم من أهم أهداف الكفار لإذهاب ريحهم وإفشالهم وإضعافهم [1] ..

أما مفارقة الموحد للكفار وباطلهم وأوليائهم وأنصارهم وأشياعهم وبغضهم ومعاداتهم فهي من أفضل القرب إلى الله تعالى، ومن أوثق عرى الإيمان، ولا يستقيم إسلام المرء ولا يسلك سبيل المرسلين في الدعوة إلى الله إلا بذلك .. [2]

ومسجد يؤسسه الكافر لن يُؤسس قطعًا للمّ شمل الموحدين والتأليف بين قلوبهم، كلا؛ وإنما يؤسسه إرصادًا لمن حارب الله ورسوله كما سيأتي، ولبسًا للحق مع الباطل وخلطًا للشرك مع التوحيد وتمييعًا لقضية الولاء والبراء بأن يجمع فيه بين أهل الشرك وأهل التوحيد ويخلط فيه أهل الحق بأهل الباطل ويمزج فيه بين ذكر الله وذكر الطاغوت، كما يجري دوما في المؤتمرات التي تعقد في المساجد الكبيرة والضخمة التي يؤسسها الطواغيت؛ فقد رأينا النصارى والقسيسين والرهبان والعلمانيين والملاحدة يجتمعون مع مشايخ الحكومات ويشاركون في تلك الندوات ويخطبون في الجموع في المساجد التي تعقد بها تلك الندوات؛ فلا يليق بمسلم يعرف توحيده أن يشاركهم في شيء من ذلك .. ولقد طلب أهل مسجد الضرار الأول من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه فنهاه الله تعالى عن ذلك؛ قائلا: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) فالواجب على كل موحد أن يبطل مخططاتهم ويفشل مساعيهم ويجتنب تلبيساتهم، ويتقرب إلى الله بمقتهم وبغضهم ومفارقتهم وهجرانهم وعداوتهم ويتأسى بنبيه صلى الله عليه وسلم فلا يقم فيه أبدًا ما دام قد أسس من قبل الطاغوت، ضرارا، وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن نحارب الله ورسوله ..

-رابعًا: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله) أي مكانًا يجتمع فيه من حارب الله ورسوله ويتلقون من أوليائهم وساداتهم وكبرائهم الكتب والرسائل والأوامر، والخطب والتوجيهات التي تعمل على الإضرار بالدين وأهله والتفريق بين المؤمنين والكيد لهم والمكر بتوحيدهم وجهادهم .. كما كان الأمر بين أبي عامر الراهب وأهل مسجد الضرار، فيتولونهم وينصرونهم ويرقعون لباطلهم ويسعون

(1) إذا كان مثل هذا الهدف أضر بمكان وضع للعبادة وأفسده وجعله من سبيل المجرمين؛ فمن باب أولى كل ما أسس لهذا الهدف الخبيث مما يتخذه الطواغيت من مؤسسات إعلامية أو ثقافية أو علمية أو غيرها.

(2) راجع رسالتنا (ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين وأساليب الطغاة في تمييعها وحرف الدعاة عنها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت