الصفحة 51 من 152

الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان عبدُ الله بنُ عمر يُصلي خلف الحجاج بن يوسف [1] ، وكذلك أنسُ رضي الله عنه كما تقدَّم، وكذلك عبد الله بنُ مسعود رضي الله عنه وغيره يُصلُّون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعًا، ثم قال: أزيدكم، فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة [2] ، وفي الصحيح: (أنَّ عثمان بنَ عفان رضي الله عنه لما حُصر صلَّى بالناس شخصٌ، فسَأل سائلٌ عثمانَ: إنك إمامُ عامة، وهذا الذي يُصلي بالناس إمامُ فتنة؟! فقال: يا ابن أخي، إنَّ الصلاة من أحسن ما يعملُ الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) [3] والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. ومن ذلك أن من أظهر بدعةً وفجورًا لا يترتب إمامًا للمسلمين فإنه يستحق التعزير حتى يتوب فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسنًا وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية فهنا لا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضررًا من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادًا من الإقتداء فيهما بالإمام الفاجر لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورًا فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء منهم من قال يعيد ومنهم من قال لا يعيد وموضع بسط ذلك في كتب الفروع) اهـ. شرح العقيدة الطحاوية من صفحة 421إلى 423. والمتأمل لكلامه يرى فيه نقلا كثيرا من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية دون عزو.

وقال أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أهل الحديث: [ويرون الصلاةَ الجمعة وغيرها خلف كل إمام مسلم، برًا كان أو فاجرًا، فإن الله عزَّ وجلَّ فرضَ الجمعة، وأمر بإتيانها فرضًا مطلقًا مع علمه تعالى بأن القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثن وقتًا دون وقت، ولا أمرًا بالنِّداء للجمعة دون أمر.] ص75 - 76.

(1) رواه البخاري ح1579.

(2) انظر ابن قدامة في المغني ج3/ 20، وفي صحيح مسلم من رواية أبي ساسان قال: (شهدتُ عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلَّى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان .. ) .

(3) رواه البخاري باب: إمامة المفتون والمبتدع، وقال الحسن: صلِّ وعليه بدعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت