ولنا أن الله تعالى استثنى من قتال الكفار كل ما يسمى اعتداء في القتل والقتال، فنسخ من ذلك ما تقدم، وبقيت جميع أنواع الاعتداء الأخرى مذمومة ممنوعة، ومن ذلك ما تقرر في الآية السابقة من قتل النفس المسلمة المعصومة فقد وصفه الله تعالى بالاعتداء {فمن اعتدى} ، فخرج قتل النفس من أن يكون منهجًا أو طريقة أو وسيلة من وسائل القتال، إلا لضرورة - كما قدمنا - إذ الضرورات تبيح المحظورات ...
احتجاج البعض بفعل الغلام في قصة أصحاب الأخدود، والرد عليه:
ثم إني سمعت البعض يحتج لجواز قتل النفس مطلقًا في مثل هذه العمليات دون قيد أو شرط، بفعل الغلام في قصة أصحاب الأخدود، والخبر بطوله رواه مسلم في صحيحه.
والجواب عن ذلك من وجوه ...
أحدها: أن ذلك من شرع من قبلنا وليس من شرعنا، وقد قال تعالى: {ولكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا} ، فما كان في هذا الخبر موافق لشرعنا من دعوة إلى التوحيد والصبر على ذلك، أو كان من الفوائد التي قص الخبر علينا من أجلها قبلناه، وما لم يكن كذلك، بل كان من شرعنا ما يعارضه، فليس بشرع لنا، كتعلم السحر؛ فإنه محرم في شرعنا، وكذلك قتل النفس، فقد كان يشرع لمن قبلنا أن يقتلوا أنفسهم للتوبة مثلًا، كما قال تعالى عن بني اسرائيل: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ... الآية} ، فإن كان هذا الغلام قد قتل نفسه بنفسه - ونحن لا نسلم بهذا كما سيأتي - فهو من شرع من قبلنا المنسوخ لأنه مخالف لشرعنا، وقد قرر علماء الأصول؛ أنه إذا جاء شرع من قبلنا مخالفًا لشرعنا فليس شرعًا لنا.