الوجه الثاني: أن هذا الحديث فيه محكم ومتشابه فيعمل بالمحكم، ويرد المتشابه إلى شرع الله المحكم، فإن أمر الغلام فيه إشكال وموانع تمنع من القياس عليه والاستدلال به؛ فهو يبرئ الأكمة والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء بمجرد دعاء الله تعالى، ولا يخذله الله تعالى في شيء من ذلك، وهذا أقرب إلى معجزات الأنبياء منه إلى كرامات الأولياء، لأنه يحققه متى أراد، وقضيته مع جليس الملك الأعمى تدل على ذلك.
وكذلك جزمه بقوله للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به) ، فهذا غيب لا يجزم به ولا يعلمه من البشر إلا الأنبياء، قال تعالى: {فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول} ، وقد كان ذلك كما أخبر به الغلام، إذ لم يقدر الملك على قتله إلا بالطريقة التي دله عليها.
فإما أن يكون نبيًا، وهذا الذي فعله وحيًا، وأمرًا من عند الله، كما قال الخضر عن قتله للغلام: {وما فعلته عن أمري} ، وبالتالي لا يجوز فعله إلا بأمر من الله ووحي خاص صريح، أو أن يكون أمرًا لا يُقاس عليه كقوله تعالى لأم موسى: {فإذا خفت عليه فألقيه في اليم} ، فجمهور العلماء على أنه إلهام وليس بوحي نبوة، ومعلوم عند كل عالم وجاهل أنه لا يصح الإقتداء بذلك والاستدلال به على جواز رمي الأبناء في البحر إذا ما خيف عليهم جور جائر أو صولة صائل.
فعلى أي الوجهين لا يصح القياس على فعل الغلام في دلالته للملك إلى الطريقة التي يمكنه قتله بها.