وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل هو من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته الاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة {إهدنا الصراط المستقيم} أي بصّرنا وزدنا هدى، وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وآمنوا برسوله} .
قال السعدي:
اعلم أن الأمر، إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه. فهذا يكون أمرا له، في الدخول فيه. وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان كقوله تعالى:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم"الآية. وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد. ومنه ما ذكره الله في هذه الآية، من أمر المؤمنين بالإيمان. فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم، من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات. ويقتضي أيضا، الأمر بما لم يوجد من المؤمن، من علوم الإيمان وأعماله. فإنه كما وصل إليه نص، وفهم معناه، واعتقده، فإن ذلك من المأمور به. وكذلك سائر الأعمال الظاهرة، والباطنة، كلها من الإيمان، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة. ثم الاستمرار على ذلك، والثبات عليه إلى الممات كما قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".اهـ
ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [1] .
قال الطبري:
(1) الآية (8) ، (9) من سورة الفتح.