الصفحة 40 من 291

لا والذي برأ النَّسَمات، وقضى في أُمِّ الكتاب عنده في الآجال والأرزاق، ما كانوا مأوِّلين، ولا مُشبِّهين، ولا مُجسِّمين، بل أنْطَقهم ربُّهم بما نطق به كتابُهُ، قرأُوا قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الشورى: آية 11] ، فأغناهم عن تلمُّس شيء - في ذات الله وصفاته - من الفهم في غيرها، أثبتوا ما أثبت الله لنفسه من صفات الكمال، من سمعٍ وبصرِ وغيرهما، وقطعوا الطَّمَع عَن إدراك حقائقها، فهي من ذات الله سبحانه، وذاتُه سبحانه غيرُ مُدرَكةٍ، ونَفَوا أن يكونَ الله -في صفاته- مُشبِهًا فيها شيئًا من خلقه، فكانوا بها في أعلى درجات التَّصديق والصِّدق.

فمن هو يا تُرى إلى المشبِّهة، والمجسِّمة، والمُؤوِّلةِ، ألصقُ وأقربُ، آلذي يُثبتُ لله ما أثبت لنفسه، من غير تشبيهٍ ولا تَعطيلٍ ولا تأويلٍ، أم الذي ينفي عَن الله ما أثبته لنفسه، بالتَّعطيل والتَّأويل والتشبيه؟!

فَلْنَنْظُر أيُّ الفريقَين أقربُ إلى الصَّواب، وأدنى من الحق؟!

إنَّ الذي يُنزِّهُ الله سبحانه، بما لم يُنزِّه نفسَهُ، هو المُشبِّه المُجسِّم حقيقةً، لأنَّه يُسَوِّي في تنزيهه ربَّه سبحانه بينه وبين المخلوقين بالبداءِ، فيرى لله به ما يراهُ للبشر، فكأنَّ الله عنده، ليس حقيقًا بأكثر ممَّا كان للبشر من الصِّفات.

وقد جرَّهم تعطيلُ الله من صفاته التي أثبتها لنفسه، إلى عقائدَ فاسدةٍ كُفريَّةٍ، وصَفوا الله بها من عند أنفسهم بأوصافٍ كريهةٍ بغيضةٍ، يأباها لأنفسهم حتى أدنياءُ البشر، فقالوا: إنَّ الله هو الكونُ، والكونَ هو الله، (وحدةُ وجودٍ متزندقة) ، وقالوا: إنَّ الله حالٌّ في كلِّ شيءٍ (حلوليَّةٌ كافرةٌ مارقةٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت