الخامس: وهم الجمهور والسَّواد الأعظم من قُرَّاء الرُّدود، يقرؤُون بآذانهم، ويَلْقفون ما يُلْقى عليهم من كلِّ من هبَّ ودبَّ بأسماعهم، يزيدون ويُنْقِصون، من عند أنفسهم، بتحريفٍ للمسموع، وتزويقٍ للمنطوق من بعد أن يسمعوه، وتَلَهُّفٍ بمسارعةٍ أن يذيعوه، في غيْر تثبتٍ من حروفه، ولا تقديرٍ لِسوءِ عاقبةٍ، فانظر من بَعْدُ إلى الآثار التي تكون جرَّاءَ تلكم الرُّدود المتناطحة المتسالخة، ومن ذا الذي يحمل أوزارها، هل هو الذي سطَّرها وكتبها، أم هو الذي نظر فيها وقرَأها؟
ثم انظر أيضًا هذا الرُّكام الذي يزيد ويعظم كلَّ يوم، من الردودات -التي عمادُها، الثأْر، والانتصار للنفس، وغمرة الجهل، والإفكُ السافكُ، والغرور التافهُ، وحبُّ الظهور، ونشوب العداوات، وتسافُدُ الأحقاد، وإذهابُ المودَّات، وإنهاكُ التَّقوى- ما الذي عاد به على طلاب العلم من النفع، اللهم إلا أن يكونوا قد عرفوا به كيف يتهارجون، ويتهارشون، و (يتهاوشون) و (يتحاردون) ويُعمِّرون مجالسهم بالغيبة السوداءِ النكراءِ، وحتى إنه أصبح خيرًا للمرءِ أن يَلْقى ضِغْثًا من همٍّ في صباحٍ، وآخَرَ من مثله أزواجًا في مساءٍ، من أن يلقى واحدًا سلفيًا مثل هذا الجاحد الكنود، أو السافح الحقود.
وصَنَعَ مثل هذا أيضًا في جماعات السَّلفيَّة وفرقِها الكثيرة، علمُ الجرح والتعديل، بقواعده الجديدة، التي نُسِيَت بها القواعدُ القديمة، التي حُفِظَت بها السُّنَّة، وعُرِفَ بها دين الله سبحانه منذ الصدر الأول، وأهمُّها:"الغلظة الجامحة الرادحة"و"نسيان الفضل، وجحد حقِّ أهله"و"الإبلاس المطبق والتسليم المطلق المتهارج".