الصفحة 35 من 291

وهنا يحسنُ بنا أن نسأل: ما الحدُّ الذي يفصل بين علماء السَّلف، وبين علماء الخلف، كي نميز بين الفريقين؟

ولو كان هناك حدٌّ زمنيٌّ واضحٌ يفصلُ بينهما، لما كان لنا أن نسأل، فخفاؤه يجعلنا نسأل، ونقول: إنَّ الحدَّ الذي يفصلُ بين الفريقين، ليس حدًَّا زمانيًَّا، ولا حدًَّا مكانيًَّا، إنه حدٌّ موصوفٌ وصفًا ذِهْنيًَّا فحسب، يُعرف به كلُّ فريق، ويُمازَ به من الآخر، عند أجيال الأمَّة، وعلمائها، ومؤرِّخيها.

فالسَّلف هم الملتزمون منهجَ الكتاب والسُّنَّة، لا يحيدون عنه قيدَ أُنملة، ولا يَخْفَون به، مهما حاول مخالفوهم سترَ سيرتهم، فَكُتُبُهم، ورسائلُهم، ومؤلفاتُهم، شاهدةٌ عليهم شهودَ الشمس على الأرض والحياة فيها.

والخَلَفُ هم من كان منهم على غير هذا المنهج في الاجتهاد والعلم، فأهل الرَّأي، ومن على شاكلتهم في الاجتهاد، من الذين لم يكن لهم تمكُنٌ من معرفة السُّنَن والآثار، بدَعوى أنَّ الحوادثَ المُستجدَّة، تقتَضي توسيعَ الرُّؤيَة، استجابةً أو تَلبيةً لروحِ العَصر، فهؤلاء جميعًا ليسوا سلفيِّين في منهجهم.

لذا، فإنَّ هذه المقولة، ما أنصفَ بها قائلُها السَّلف ولا الخلف، لأنَّها نادَّةٌ عن الطَّرفين، قاصِيةٌ عَن الفريقين، ومهما حاول أن يَترفَّق في التَّعبير، ويُحسِّن الألفاظ، ويحاول الظُّهور بمظهر المُقسط، فإنَّه لا يُغيِّر من الواقع شيئًا، ولا يمكنه أن يجعل الغرب شرقًا، ولا الشرق غَربًا، إلاَّ إن أدرَك الآية الكُبرى، وهي شروق الشمس من المغرب، وغروبها في المشرق، فتنقطع به حوبتُه، ولا تنفعه يومئذٍ توبتُه!! ألا باطَ وباطَ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت