الصفحة 28 من 291

(ج) مِمَّا قالوا:"إنَّ السَّلف لم يَدْعوا النَّاس إلى الأخذ بأقوالهم، وأعمالهم، مرتّبًا على ذلك، أنَّ للعالم أو لطالب العلم، أن يَدَع أقوال السَّلف -على شدَّة تحرِّيهم الحقَّ، وصدقِ اتِّباعهم، وحسنِ أخذهم- إلى غيرها من أقوال غيرهم مِمَّن ليسوا على منهج السلف"اهـ.

ولكأني بهذا القائل هذا القولَ، ومن كان على شاكلته، يجدونَ لأنفسهم العذر في طرح مذهب السَّلف، والأخذ بمذاهب الأئمَّة المَشهورةِ.

إمَّا لبعد العهد بيننا وبين القرون الثَّلاثة الأولى، وقد قيَّض الله للأُمَّة هؤلاء الأئمَّة، فأراحوها من عناء البحث العلمي، والاجتهاد في تحصيل الأحكام من أدلَّتها الخافية عنَّا.

وإمَّا لأنَّهم أعلمُ الأمَّة، فليس لأحدٍ من بعدهم، أن يُزاحمهم، أو يَظهر عليهم.

وإمَّا لأنَّ الأمَّة قد أجمعت من بعد ظهور هذه المذاهب على قبولها، وإسلام القياد العِلْميِّ الفِقْهيِّ لأصحابها، فإن يظهر في الأمَّة من بعدهم هذا فإنَّه لا يعني تفريق كلمة الأمَّة، واشتداد حدَّة الاختلاف، واتِّساع رقعة العداوة فيها.

ولا أحسبُ أنَّه يغيب عَن هذا القائل، أنَّ أصحاب المذاهب -رحمهم الله تعالى- لم يُنشئوا مذاهب، قالوا بوجوب اتِّباعها، والتَّقيُّد بها، وعدم المُخالفة عن الآراءِ والأقوالِ التي حُشدت في كتبها.

كما وأحسبني أنَّني لست في حاجةٍ إلى تذكير هذا القائل: بأنَّ للمَرءِ أن يختار ما يشاءُ من هذه المذاهب، للتقيُّد به وتقليد إمامه، إن رأى نفسه عاجزًا عن إدراك مَرتبةِ الاتِّباع أو الاجتهاد، بالاصطلاح العلمي المعروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت