الصفحة 156 من 291

ومن هذه القراءة يعرف الإنسان المسلم أن الجهد العقلي والقلبي والبدني الذي يبذله يجب أن يكون حافظًا له، ومحفوظًا به في آن معًا، وأن الله سبحانه سائله عن أقل القليل من هذا الجهد، وأن يجعله سائرًا به بعيدًا عن السلوك السياسي، يقوده بحسن التفكير والبصر إلى رضوان الله سبحانه، وامتثال قول الله سبحانه به: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة} [سورة النحل: آية 125] .

ثم ههنا أمرٌ مهم، وهو أن الاجتهاد -خطأً كان أم صوابًا- لا يحسن أن يُسلم المجتهد بخطئه إلى عاقبة سوء، ولا أن يُسلمه بصوابه إلى نجح تافه يسير بعد أن يكون قد أبدى للزمان عن ناجذيه، أو أرجف بكلام راعد، أو أجلب عليه بظنون حالمة، ألقت به على نمارق ناعمة، أو أوقفته أمام سراب خادع -إن حسر فإنما يحسر عن أوام ومسغبة دائبين، لذا فإن الذين يجتهدون اليوم ويجعلون من الواقع -على حد تعبيرهم- دليلًا من الأدلة الملزمة في تصويب ما يجتهدون فيه، أو تخطئته، إن يظنون إلا ظنًا، لذا: فإن الاجتهاد لا يصلح بهم، ولا هم يصلحون له ولا به؛ فخير لهم أن يوصدوا باب الاجتهاد دونهم بأنفسهم، وأن يدعوه للقادرين عليه ممن أفاء الله عليهم باستظهار الأدلة من الكتاب والسُّنَّة، وسبر غورها، والتمكن من معانيها.

إنما الاجتهاد -خطأً كان أم صوابًا- لا يحسن إلا إن كان قد أسلم صاحبه بخطئه إلى عاقبة سالمة لا شيَةَ فيها من شر إلا أذى يسيرًا إن كان، أو أن يسلمه بصوابه إلى نجح باهر جميل يحثه أو يحمله على مثله في الأيام الآتية، يبصر فيه نفسه وأمته مسرورة بأن قد أقصاها باجتهاده الصواب عن عاقبة السوء، وسوء العاقبة.

وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (1) ولا بد ومن هنا كان حقًا على الاجتهاد أن لا يقبل لنفسه كل غر يدعي الاجتهاد!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت