هذا إلى أن الاجتهاد لا يكون مع صريح النصوص، وما أكثر النصوص المتواردة المتتابعة على موطن خطر مخالفة السلوك السياسي في عالمنا العربي والإسلامي، ليس سلوكًا يرضى عنه الله سبحانه، إذ كيف يرضى عن سلوك لا يقبل حكم الله وقضاءه الفصل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما} [سورة النساء: آية 65] ؟!، ولكأنهم عند مراد الله في قوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [سورة المائدة: آية 50] ؟!
فأين يكون الاجتهاد الذي ينتهي بالمجتهد أو المجتهدين إلى مخالفة صريح النص، ومطابقة نص ينعى عليهم ما هم فيه، وهذاما يجب أن يبرأ منه كل مسلم، وأن يحذره، وينأى بنفسه عنه، ويحذر المسلمين منه بما أوجب الله عليه من النصح إن هو عرف حكم الله فيه، وإلا فهو غاش جماعة المسلمين، والرسول صلى الله عليه وسلم هو القائل:"من غشنا فليس منّا" (2) والغش هو أن لا يمحض المسلم نصحه إخوانه المسلمين وهو عالم ما يفسد وما يصلح.
وإذا كان الواقع المشهود يصلح دليلًا ينصب على أمر فإن الواقع التجريبي -الذي يعلمه الناس علم اليقين- يؤكد خطأ الاجتهاد -الذي أودى في الماضي بجهود كثيرة بذلك ولا زال، والمستقبل بيد الله وحده، ومفاتيحه عنده- وما ينبغي أن يجتهد في واقعه المجهول غير المنظور ولا المحسوس إلا من خلال الأخبار النبوية الصادقة، التي علمنا بها مسار الأمة من أوله إلى آخره.