الصفحة 13 من 291

وهذا الكتابُ، تَحكي صَفحاتُهُ تَجربةً مَنَّ الله بها عَليَّ زُهاءَ ثُلثِ قَرنٍ، رقَّت فيها حواشي النَّفس، وسمتْ فيها خواطِرُ القلبِ، وترسَّخَت فيها حقائقُ الإيمان والتَّوحيد الحقّ، ونَبَتَت فيها غِراسُ العلم، وضَعُفَت فيها رغائب الآمال، وقَصُرَ فيها غَرْبُ الشهوات، وانبَجَسَت فيها عيونُ المَعرفَة، وأبصَرَت العَينُ فيها قذاها، ورأت أردية العجز تضطربُ على سيقان الأماني، الجارية في خمائل التَّقوى، فأمسكتْ بها وهي تفوحُ بشذا عَرْف الجنَّة، فَغَمرتها، وغابت في ثنيَّاتها، تُصبحُ وتُمسي، والحمد لله على آلائه، والشكر له على نعمائِه.

وكُنتُ أوَدُّ - وهو أحبُّ إليَّ من وجهٍ - أن لا أستعمل كلمة السَّلفية والسَّلفيين، خشية أن أُرمى بما كنت عِبتُهُ على الجماعات والحركات الإسلاميَّة، قبل سنين خَلَت في مقالٍ لي بعنوان:"إنْ هي إلاَّ أسماءٌ فرَّقَت فَدَعوها"، وإن كنت قد بيَّنت في مقال لي آخَر بعده بعنوان"لا دفاعًا عن السَّلفية" (5) ما تَعني هذه الكلمة، ومِمَّا كتبته في ذلك المقال:"وأوَّلُ ما يجبُ أن نعرفه معنى السَّلفية، فهي كلمةٌ، تَنفي بمعناها المُتبادِرِ منها - أيَّ مَعنى يدلُّ على حركةٍ سياسيَّةٍ، أو جماعةٍ حزبيَّةٍ، أو تَكتُّلٍ مُتطرِّفٍ غالٍ، فهذه كلُّها ومثيلاتُها لا مَوردَ لها إلى كلمة (السَّلفيَّة) ألبتَّة، فمن فهم غَير ذلك، أو أُفهم غَير ذلك، فإنَّه مُخالفٌ ولِنَهج السَّلفِ غيرُ سالك، إنَّما السَّلفية دعوةٌ فِطريَّةٌ محوطَةٌ بأُخوَّة حقَّةٍ، وتَعاوُنٍ صادِقٍ، فهل لأهلها أن يعرفوا ذلك؟!"

وإذا رَددنا هذه الكلمة إلى اللُّغة ومقاييسها، فإنَّنا واجدونَ أنَّها مَصدَرٌ صِناعيٌّ، والمصدَر الصِّناعيُّ، تَلحَق بآخِرة ياءُ النِّسبةِ مع اقتِرانها بالهاء، يُسكَتُ عليها حينَ الوقفِ، وتُقلَبُ تاءً في الوَصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت