ولو أنَّ أهل العلم في كلِّ عَصرٍ، استبصروا الحقَّ واستنطقوه، وأحلُّوا أنفسَهُم منه مكانًا لا ظِنَّة فيه ولا امتراء، لرَأوا أنَّه يَقضي عليهم؛ بأن لا يُبصروا إلاَّ ذلك المنهج الأبلج الأبهج، أمام أعينهم، فلا يَضِلُّ عنهم، ولا يُضِلُّون أنفسَهُم عنه، وكيف يَضِلُّ هو أو يُضَلُّون عنه، وهو الذي تداعَت إليه القرون، وذلَّت له الشِّعاب الحُزون، وانقادَت إليه كلُّ سَهْلَةٍ وحَرونٍ؟
ولا أدري كيف، ولا لماذا أنشأ أعداءُ هذا المنهج عداوتَهم في صدورهم، ونشَّأوا قلوبهم في بُغضِه، وتنافَسوا في المَكرِ والكَيدِ له ولأهله، وألَّفوا الكتب والرَّسائلَ في تَشويه وجهِه، وتَنفير النَّاس منه؟
نَعَم؛ قَد يَجدُ المَرءُ العَدلُ البَصيرُ عُذرًا في مثل هذا الصَّنيع، فيمن وجَدوا أنفسَهُم - بعلمهم - موثوقين بِرُممٍ مُحكَمةِ الفَتلِ، إلى جذوع الضَّلالِ والجَهلِ، تَنزعُ بهم إلى أسناخِ الرَّفض الباطنيِّ، والزَّيغ الاعتزالي، والغَولِ الفَلسَفيِّ، فيَنفضُ منهم يديه، ويُعَزِّي نفسه أن لو كانوا يعلمون الغَيب، ما ألبثوا أنفسهم، ولا أقاموها في البلاء المُبين، الذي نَسجوا رِداءه الخَشِنَ الغَليظَ لأنفسهم بأنفسهم هم!!
وقد أعانَ هؤلاءِ على صنيعهم هذا، ما يقع في بعض الأحيان بينَ بعض مُلتزمي هذا المنهج، مِن خلافٍ، وصِدامٍ، وقطيعةٍ، إن أحسَنتَ الظَّنَّ بهم في ما أجرَوا على أنفسهم، وأجازوه لها، مِن خلافٍ، وصِدامٍ، وقطيعَةٍ، فلا يَعدو أن يَكونَ منشؤهُ تنافُسًا بينهم - لطبيعتهم البشرية - على أمورٍ دُنيويَّة، ليسَ فيها حتى مِن رَغبةٍ لعمل الآخِرَة!