الصفحة 10 من 291

إذًا: فَثُلْثُ قَرنٍ من الزَّمَن - جَاست خلالَ سنواتِهِ تجربةٌ، حَمَلت صاحِبَها على كفِّها راضيَةً مُطمئنَّةً، واثقةً من صدقِهِ في إقبالِهِ إذ أقبل، وإن خُيِّلَ لِبَعضٍ - من أصحابنا وإخوانٍ لنا - بأنَّه كان له إدبار (!) فعاجَت بهم الظُّنون عَوْجَ مَن لَقِفَ قَلْبُهُ أمرًا يُحدَّثُ به، غَيرَ مُتَثَبِّتٍ ولا مُتأنٍّ، وكأنَّهُم لم يَقرءُوا قوله سبحانُه:

{وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله} [سورة الأنفال: اّية 16] ، كافٍ (3) في سَبرِ هذه الدَّعوة المُباركةِ، واستظهار حقيقتها، وبناء قناعةٍ مُستَقرَّةٍ، لا يُقبَل غيرها!!

وليسَ مَطلوبًا من إنسانٍ - أيِّ إنسانٍ - وهو يضع نَفسَهُ تحتَ ظُلَّةِ القَضاءِ، يَحكُم على نَفسِهِ بِنَفسِهِ، أن يُظهِرَ خَفايا صَدرِهِ، ومكنونَ قَلبِهِ، ومستورَ ذَنبِهِ، ومَن مِن البَشَر ليسَ يُخفي في صَدره، ويُكنُّ في قلبه، ويستُر على نَفسه من ذَنبه؟! وليسَ في هذا شيءٌ من تَزكيةِ النَّفس، بل هو مِمَّا يزكِّي به الله سبحانهُ عَبدَهُ الصَّانِعَهُ، والله سبحانُه هو وحدَهُ العليمُ الخبيرُ، المُوفِّق للخَير الذي يَرضاهُ لِعبادِه.

وحينَ يكون الحُكم على منهج، آمن به المَرءُ، وآثرَهُ على كلِّ ما سواهُ، صدَّقَهُ وأحبَّهُ، فإنَّ الأمرَ مُختلفٌ جدًا، إذ الحُكمُ عليه عند مَن آمن به وصَدَّقه، لا يَقبَل إخضاعَه للنَّظَر العَقليِّ، والسَّبْر، والاستقصاءِ، والتَّرجيح، وهو يُقارَن بغَيره.

وإذا كان هذا يَصْدُقُ على كلِّ منهج من مناهج الأرض التي تَواضَعَ عليها البشرُ، فإنَّه لا يَصْدُقُ على المنهج الذي ارتضاهُ ربُّ البَشرِ للبَشرِ.

ومن أخضَعَ هذا المنهج لهذا النَّظَر، فقد أخَذَ بِخطامِ نَفسِهِ إلى مباءةِ إثم، وساقَها إلى مُنحَدرِ هَلاك، وحَمَلها على غَضبٍ من الله وعقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت