فيقال: لا مشاحة في جعل الولاء والبراء أصلًا وفرعًا، ولا مؤاخذة في التفريق في هذا الباب بين ما ينافي أصل الولاء والبراء وما ينافي كماله، وأن الأمر كما ذُكر من أنه لا يلزم من مطلق معاداة المؤمن للمؤمن انتفاء أصل الموالاة بينهما، كما لا يلزم من مطلق موالاة المؤمن للكافر انتفاء أصل البراءة منه، لكن محل المؤاخذة حصر الصورة المنافية لأصل الولاء والبراء في هذه الحالة دون ما سواها، حالة كون عداوة المؤمن للمؤمن لأجل إيمانه، أو محبة المؤمن للكافر لأجل كفره، ثم تُحمل دلالة النصوص الشرعية الدالة على التكفير بتولي الكافرين على هذه الصورة لا غير، وإني لأعجب كيف يستقيم أن تحمل هذه النصوص الشرعية -وهي كثيرة جدًا- على هذا المعنى البدهي من دين الإسلام، ولم كان ذلكم التحذير الشديد، وإبداء المسألة وإعادتها، وتكثير الأدلة وتنويعها؟! ألمجرد أن يخبرنا الله تبارك وتعالى أن محبة دين الكفار وبغض دين الإسلام كفر؟! وأن من أحب الكفر وأبغض الإسلام كافر؟! إن حمل نصوص الولاء والبراء على مثل هذا المعنى فقط وحصر دلالتها فيه نزول بمدلولها والمقصود منها، بل وتفريغ لمحتواها ومضمونها، إذ هذا الاعتقاد وهذا الصنيع كفر بدهي لا ينازع فيه مسلم، ثم هو كفر مستقل قائم بذاته سواء وقع المحذور من موالاة أو معاداة محرمة في الخارج أم لم يقع، ولذا فإن حصر دلالة قول الله تعالى مثلًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) على هذا المعنى المتقدم يفسد معناها، ويفرغ محتواها، ويحيلها مجرد آية جاءت ببدهية من شأن الشريعة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، دون أن تكون الآية مؤسسة لمعنى جديد يحتاجه المسلم ويقع فيه اللبس والإشكال، وهل يستقيم حقيقةً -وعلى الإنصاف- أن